استشهد عثمان بن عفان رضي الله عنه في ثامن عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة، على المشهور عند المؤرخين، وهو صائم يقرأ القرآن في داره. وهذه الأخبار من أكثر ما كتب فيها المؤرخون، لكن فيها ما صح وما ضعف، وفيها ما يتعلق بمقام أصحاب رسول الله ﷺ، ولذلك نكتفي بما هو ثابت أو مشهور، ونتجنب ما يظهر فيه اختلاق أو ميل.
رؤيا عثمان
روى أحمد في «فضائل الصحابة» وابن سعد في الطبقات، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال: دخلتُ على عثمان وهو محصور فقال: مرحبًا بأخي، سمعتُ رسول الله ﷺ البارحة في هذه الخوخة، يعني في المنام، فقال: يا عثمان، حصروك؟ قلت: نعم. قال: عطّشوك؟ قلت: نعم. فأدلى إليّ دلوًا فيه ماء فشربتُ حتى رويت، حتى إني لأجد برد الماء بين ثديي وبين كتفي. وقال لي: إن شئتَ نُصرتَ عليهم، وإن شئتَ أفطرتَ عندنا. فاخترتُ أن أفطر عندنا. قال الراوي: فقُتل ذلك اليوم. ومثل هذه الروايات صححها بعض أهل العلم وضعفها آخرون، وهي من باب الرؤيا التي ليست مصدر تشريع، ولكنها مشهورة في ترجمة عثمان وتتفق مع ما صح من أن النبي ﷺ بشّره بالجنة على بلوى تصيبه.
وروي نحو هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما وغيره بألفاظ متقاربة، وفي أسانيدها كلام.
رفضه الخروج والفرار
ويذكر المؤرخون أن بعض الناس عرضوا عليه الخروج إلى مكة أو إلى الشام، فرفض. ويروون أن معاوية عرض عليه الانتقال إلى الشام فأبى، وقال ما معناه: لا أفارق دار هجرتي وجوار رسول الله ﷺ. وقد ورد هذا في الطبقات وابن كثير. وفي المعنى أنه لم يرد أن يجعل من مدينة النبي ﷺ ساحة قتال.
اليوم الأخير
كان عثمان صائمًا يومئذ، على المشهور. وكان المحاصرون قد اشتدوا عليه. ويروي المؤرخون أن مجموعة تسلقت جدران الدار من الجهة الخلفية، فدخلوا عليه وهو يقرأ المصحف، وكان في الدار بعض الأبناء والموالي. وفي روايات كثيرة أن الدم سال على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وهذه الرواية مشهورة جدًّا في كتب التاريخ والطبقات، وبعضها بأسانيد فيها كلام، فنذكرها على سبيل الشهرة، مع التسليم بأن عثمان كان يقرأ القرآن حين استشهد، وهو أمر لا يبعد.
وتذكر كتب التاريخ أن زوجته نائلة بنت الفرافصة رضي الله عنها حاولت أن تحميه، فقطعت أصابعها وهي تتلقى الضربات بيدها. وهذا مروي في الطبقات وابن كثير، وهو مشهور. أما تسمية القتلة فقد ورد في الروايات أسماء مثل سودان بن حمران وكنانة بن بشر التجيبي وغيرهم، وهي من أخبار التاريخ التي اختلف فيها الإخباريون، ولا نجزم بها.
محمد بن أبي بكر: ما الثابت؟
يروى أن محمد بن أبي بكر الصديق دخل على عثمان فأخذ بلحيته، فقال له عثمان: لو رآك أبوك لساءه مكانك مني، فتركه وخرج مستحيًا. وهذا مروي عند ابن سعد والطبري وابن كثير، ويذكر بعضهم أنه لم يشترك في القتل. ومثل هذا مما يُتناقل، ولا نعتمد عليه تمام الاعتماد. وقد برّأ كثير من العلماء محمدًا من دم عثمان، وقالوا إنه رجع حين ذكّره عثمان بأبيه، وهذا هو الراجح لدى ابن كثير وغيره. وما يقال خلاف ذلك في بعض كتب الإخباريين لا يعوّل عليه.
الدفن
بقي جثمان عثمان رضي الله عنه في الدار حتى الليل، ولم يتمكن الصحابة من دفنه بالنهار، فدفنوه ليلًا في حشّ كوكب، وهو بستان كان عثمان قد اشتراه وأضافه إلى البقيع، وكان اليهود يدفنون فيه موتاهم. وتذكر روايات ابن سعد وغيره أن الذين حضروا دفنه نفر قليل، منهم حكيم بن حزام وجبير بن مطعم وأبو جهم بن حذيفة ونيار بن مكرم، وزوجته نائلة وأم البنين. ومنعوا حتى من الصلاة العلنية عليه. وهذا الخبر مشهور في الطبقات والتاريخ ويعد من الأخبار التي لا يوجد فيها خلاف كبير. وتذكر الروايات أنه دُفن بثيابه ولم يغسل لأنه شهيد، وهو ما جرى عليه العمل في الشهداء.
وقيل: إنه توفي وله اثنتان وثمانون سنة، وقيل: أكثر أو أقل، وكانت خلافته نحو اثنتي عشرة سنة. وهذه الأرقام مما اختُلف فيه.
الأيام التي تلت المقتل
يذكر الطبري وابن كثير أن المدينة بقيت بعد مقتل عثمان أيامًا في اضطراب، وأن الذين دخلوا عليه ظلوا مسيطرين على الأمر حتى بايع الناس عليًّا رضي الله عنه في المسجد النبوي، وأن بيعته كانت في الخامس والعشرين من ذي الحجة تقريبًا. ويروون أن نائلة أرسلت قميص عثمان المخضّب بالدم وأصابعها المقطوعة إلى معاوية بن أبي سفيان في دمشق، فعُلّق القميص على المنبر وبكى أهل الشام. وهي أخبار مشهورة في كتب التاريخ، لا يبلغ إسناد تفاصيلها درجة الصحيح، لكن أصل مطالبة معاوية بالقصاص لعثمان ثابت معروف، وسيأتي ذكره في القصص اللاحقة.
أثر مقتله
كان مقتل عثمان بداية صدع كبير في الأمة، أخبر به النبي ﷺ. وفي حديث حذيفة بن اليمان في الصحيحين أن بين عمر وبين الفتن بابًا مغلقًا، وأن هذا الباب يُكسر ولا يُفتح، وقد أفردنا لذلك قصة. فلما قُتل عمر انكسر الباب، وجاء مقتل عثمان بعده. وكان للأمة أن تتعلم من هذا الحدث أن تحافظ على وحدة الصف، وألا تفتح أبواب الفتنة بعمل صغير يكبر.
وقد ذكر ابن تيمية أن عثمان قُتل مظلومًا شهيدًا، وأن الذين قتلوه كانوا من أهل البغي، وأن الصحابة رضي الله عنهم لم يشاركوا في قتله. وهذا هو الذي تلتقي عليه كلمة أهل السنة، وهو الذي يتفق مع بشارة النبي ﷺ له بالجنة على بلوى تصيبه، كما في الصحيح.
