Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

اليرموك: اللقاء الكبير مع الروم، وما صحّ وما شاع في خبره

أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

حين نقرأ عن معركة اليرموك نقرأ عن اللقاء الأكبر بين المسلمين وإمبراطورية الروم في بلاد الشام. وقصة هذه المعركة مبثوثة في كتب التاريخ بتفاصيل كثيرة، لكن أكثر تفاصيلها يعود إلى رواة التاريخ لا إلى الصحاح، فنفرّق هنا بين ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من خلفية الحدث، وما ذكره المؤرخون من مجرياته مع التنبيه على موضع الضعف.

ما قبل المعركة: ملك الروم وكتاب النبي ﷺ

روى البخاري في أول صحيحه، في حديث أبي سفيان مع هرقل، أن أبا سفيان كان في تجارة بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فدعاه هرقل إلى مجلسه بإيلياء وسأله عن النبي ﷺ أسئلة، ثم جاء كتاب النبي ﷺ فقرأه. وفي آخر الحديث أن هرقل لم يُسلم، وأن بعض عظماء الروم نفروا حين عرض عليهم أمر الدخول في دين النبي ﷺ. وهذه هي الخلفية التي صار بها الروم القوة الكبرى التي لقيها المسلمون في الشام بعد وفاة النبي ﷺ.

وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتُنفقنّ كنوزهما في سبيل الله. وقد ذكر العلماء، ومنهم ابن حجر في شرحه، أن هذا من أعلام النبوة، إذ زال ملك الفرس زوالًا كاملًا، وانحسر ملك قيصر عن الشام ومصر.

إرسال الجيوش إلى الشام

يذكر الطبري وابن كثير أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعد حروب الردة جهّز جيوشًا إلى الشام، وجعل على أمرائها أبا عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنهم. فلما اجتمعت للروم جموع كبيرة كتب الأمراء إلى الصديق يستمدّونه، فكتب إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو في العراق أن يسير إلى الشام. وهذه الأخبار مشهورة في كتب التاريخ، ولا يُعرف لها في الصحيح إسناد مفصل، وكثير منها من رواية سيف بن عمر التميمي، وقد تكلم أهل الحديث في روايته، ولذلك نقتصر على جملتها.

اختلافهم في تاريخ اليرموك

اختلف المؤرخون في وقت اليرموك: فذكر سيف بن عمر أنه كان في أيام أبي بكر سنة 13 هـ، وذهب الواقدي ومن تبعه إلى أنه كان في خلافة عمر سنة 15 هـ في رجب، وهو الذي مال إليه كثير من المؤرخين، ومنهم ابن كثير في البداية والنهاية. ولسنا بحاجة لتحرير ذلك في قصتنا، فهو من الخلاف التاريخي المعروف، لكننا نذكره حتى لا يظن القارئ أن كل ما يقال في المعركة محل اتفاق.

قيادة المعركة

تتفق كتب التاريخ على أن القيادة العامة للمسلمين في اليرموك كانت لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وهو الذي سماه النبي ﷺ أمين هذه الأمة، كما في صحيح البخاري من حديث أنس. وتذكر الروايات أن خالد بن الوليد رضي الله عنه كان له في ترتيب الصفوف وتشكيل الكراديس، وهي الفرق الصغيرة، دور بارز. وهذا التفصيل في الطبري من رواية سيف، فلا نجزم به. ويذكرون أن المعركة طالت أيامًا، وأن نهايتها كانت بهزيمة جيش الروم هزيمة عظيمة. أما أعداد الجيشين فقد تباينت الروايات تباينًا شديدًا، حتى لا يصح أن نقف عند رقم منها، والأولى أن يقال: كان جيش الروم أكثر من المسلمين كثرة ظاهرة.

ردّ الجزية قبل المعركة

من أشهر ما يُروى عن الأيام التي سبقت اليرموك أن المسلمين حين انسحبوا من بعض مدن الشام، كحمص، ردّوا إلى أهلها ما كانوا قد أخذوه من الجزية، وقالوا لهم: إنما أخذناها منكم لنمنعكم، وقد شُغلنا عن منعكم، فأنتم على أمركم. ويذكر هذا أبو يوسف في كتاب الخراج والبلاذري في فتوح البلدان. وهو خبر مشهور في كتب الخراج، وإن لم يكن في الصحاح، ويدل عليه ما استقر في الفقه من أن الجزية مقابل الحماية. فهو يعطي صورة عن مفهوم العهد والذمة في الإسلام، لا أنه من الأخبار التي يُبنى عليها الجزم بتفاصيله.

استشهاد من استشهد

تذكر كتب الصحابة أن عددًا من الصحابة استشهدوا في الشام في هذه الفتوح. وقد اختلف المؤرخون في موضع استشهاد عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه: أكان في أجنادين أم في اليرموك أم في مرج الصفر؟ وكذلك في تحديد كثير ممن استشهد في اليرموك. وعكرمة هو من أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه، وهذا معنى عظيم في أن باب التوبة مفتوح لمن عادى الإسلام ثم أسلم.

خروج هرقل من الشام

يروي المؤرخون أن هرقل ترك الشام بعد هزيمة جيشه، وأنه قال: السلام عليك يا سورية سلامًا لا اجتماع بعده. وهذه الكلمة تذكرها كتب التاريخ على سبيل النقل، ولا نعرف لها إسنادًا صحيحًا، فهي من قبيل ما تواتر على ألسنة المؤرخين ولا يصح الجزم بحرفه. وتبقى الحقيقة التاريخية التي لا خلاف عليها أن المسلمين بعد اليرموك استقرّ أمرهم في الشام، وفتحت بعدها المدن واحدة بعد أخرى.

ما نتعلمه من اليرموك

لا نقص في هذه القصة من الدروس إن اقتصرنا على الثابت: أن النصر وعد الله لعباده المؤمنين إذا أخلصوا واتبعوا الأسباب، وأن القيادة الراشدة تجمع بين الأمانة والكفاءة، فأبو عبيدة الأمين وخالد سيف الله، وكلاهما خدم الأمة من موضعه، وأن العهد يُوفّى حتى مع المخالف في الدين. وأن المؤرخ الأمين يميّز بين ما صحّ وما شاع، فلا يزيد على الأحداث ما ليس منها.

العبرة

النصر بيد الله لمن أخلص وأخذ بالأسباب، والأمانة العلمية أن نفرّق بين ما ثبت وما شاع.

المصدر: صحيح البخاري (بدء الوحي، حديث أبي سفيان وهرقل؛ المناقب، أبو عبيدة أمين هذه الأمة)؛ صحيح البخاري ومسلم (إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده)؛ تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ الخراج لأبي يوسف؛ فتوح البلدان للبلاذري.

الدرجة: مركّب: خلفية الحدث (حديث هرقل وحديث إذا هلك قيصر) صحيحة في الصحيحين؛ أما مجريات المعركة فمن كتب التاريخ، ومعظمها من رواية سيف بن عمر وفيها ضعف، وقد صيغت بصيغة النقل مع التنبيه.