Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

القادسية ونهاوند: ما ثبت في البخاري وما نقله الطبري

سعد بن أبي وقاص والنعمان بن مقرن رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

القادسية معركة من أشهر معارك الفتح الإسلامي لبلاد فارس، وهي المعركة التي أنهت جزءًا كبيرًا من ملك كسرى في العراق. وأخبارها في كتب التاريخ كثيرة ومفصلة، لكن أغلب تفاصيلها من رواية سيف بن عمر التميمي عند الطبري، وهو مؤرخ تكلم أهل الحديث في ضبطه. فنذكر هنا ما اشتهر مع تمييز ما يُطمأن إليه مما يُتوقف فيه.

سعد بن أبي وقاص: من هو؟

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من العشرة المبشرين بالجنة، وكان من السابقين إلى الإسلام. وثبت في الصحيحين أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأن النبي ﷺ قال له يوم أحد: ارمِ فداك أبي وأمي. وهذا الخبر من أعظم مناقبه في الصحيح. وروى الترمذي أن النبي ﷺ دعا له أن يسدد رميته ويجيب دعوته، وقد اختلف أهل العلم في إسناد هذا الحديث، فمنهم من حسّنه ومنهم من ضعّفه، وإن اشتهر على الألسنة أن سعدًا مستجاب الدعوة. وقد ولّاه عمر رضي الله عنه قيادة جيش العراق.

كتاب عمر إلى سعد

يذكر الطبري أن عمر كتب إلى سعد كتبًا يوصيه فيها بتقوى الله وألا يغترّ بكون النبي ﷺ خاله أو صاحبه، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته. وهذه الوصية من رواية سيف في الطبري، ومعناها صحيح في الإسلام وموافق للقرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

إرسال الرسل إلى رستم

تحكي كتب التاريخ أن سعدًا أرسل وفودًا إلى رستم، قائد الفرس، تدعوه إلى الإسلام، وذكرت منهم المغيرة بن شعبة وربعي بن عامر رضي الله عنهما. وتنسب إلى ربعي كلمة مشهورة في وصف رسالة المسلمين: أن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وهي في الطبري وابن كثير، من رواية سيف، فنوردها على سبيل النقل لا الجزم بحروفها، ومعناها يوافق ما ثبت من مقصد الإسلام في الدعوة.

مرض سعد

يذكر المؤرخون أن سعدًا أصابه مرض كالدمامل أو عرق النسا في أيام القتال، فلم يستطع الركوب والمباشرة، فكان يدير المعركة من قصر أو مكان مرتفع، وأن أبا محجن الثقفي كان محبوسًا عنده لشربه الخمر، وأنه استأذن زوجة سعد في الخروج للقتال فخرج، ثم عاد إلى قيده. وهي قصة مشهورة في الطبري وغيره، ويذكر فيها أن سعدًا لما علم عفا عنه وقال: لا أجلدك على الخمر أبدًا. وهذه القصة لم تصح بإسناد متين، وفيها الشهرة أكثر من الثبوت، فلا تُبنى عليها أحكام.

أيام القتال

تسمي كتب التاريخ أيام القادسية: أرماث، وأغواث، وعماس، وليلة الهرير. وتذكر استخدام الفرس للفيلة، وكيف تعامل المسلمون معها. ثم انتهت المعركة بمقتل رستم وانهزام الفرس، وكان ذلك في سنة 15 هـ على المشهور، وقيل 14 أو 16. أما الأعداد فكما سبق نتوقف عندها، فهي متباينة.

نهاوند وما ثبت في البخاري

أما ما ثبت في الصحيح فهو خبر في البخاري من حديث جبير بن حية الثقفي في كتاب الجزية والموادعة، يذكر فيه أن عمر بعث الجيوش إلى بلاد الفرس، وأن النعمان بن مقرن رضي الله عنه قاد المسلمين في نهاوند، وأنه خاطب ترجمان الفرس فذكر أن المسلمين كانوا عربًا في شقاء وضيق، فأخرجهم الله بنبيه ﷺ، وأن النبي ﷺ أمرهم أن يقاتلوا حتى يعبدوا الله وحده أو يؤدوا الجزية. وفي الحديث نفسه أن النعمان كان إذا لم يقاتل أول النهار أخّر القتال إلى ما بعد الزوال، حين تهب الرياح وتحضر الصلوات، اقتداءً بالنبي ﷺ. وفيه أن الفتح كان بعد استشهاد النعمان رضي الله عنه. وهو خبر عالٍ في الإسناد، يدل على أن الفتوح كانت بأمر الدين وبآداب القتال.

عدم أخذ الجزية من المجوس

وفي الحديث نفسه في البخاري أن عمر لم يكن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هَجَر. وهذا يبيّن أن الخليفة نفسه كان يرجع إلى السنة، فإذا ثبتت عنده رجع إليها، ولم يستنكف.

ما ثبت في الصحيح عن سعد بعد الفتح: شكوى أهل الكوفة

وروى البخاري في كتاب الأذان من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن أهل الكوفة شكوا سعدًا إلى عمر رضي الله عنه حتى قالوا إنه لا يحسن أن يصلي، فأرسل إليه عمر، فذكر له ذلك، فقال سعد: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخفّ في الأخريين. فقال عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. ثم أرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة يسأل عنه أهلها، فلم يدع مسجدًا إلا سأل عنه ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذ نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. فقال سعد: أما والله لأدعونّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرّضه بالفتن. وكان بعد ذلك إذا سُئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك بن عمير أحد الرواة: فأنا رأيته بعد ذلك قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن. هذا ثابت في الصحيح، وفيه أن عمر لم يعزل سعدًا بمجرد الشكوى، بل تحقق، وأن سعدًا نفسه كان مجاب الدعوة، وأن الخليفة كان يتثبت من شكاوى الرعية على عماله.

ثمرة القادسية

فتح الله بالقادسية بابًا واسعًا إلى العراق، وتلاها فتح المدائن عاصمة كسرى، ثم جلولاء، ونشأت الكوفة مصرًا للمسلمين. وقد ذكرنا في قصص سابقة شيئًا مما يتصل بالبصرة. والمؤرخ المنصف يعدّ القادسية حدثًا تاريخيًا كبيرًا يُنقل بحذر في تفاصيله.

الدرس

الدرس من القادسية أن الحق إذا اجتمع مع الصبر والتقوى وطاعة القيادة أنتج نصرًا لا تحققه الكثرة، وأن عدل الخليفة مع عماله وتثبّته في الشكاوى منهج راشد، وأن الأمانة في نقل التاريخ لا تقلّ عن الشجاعة في صنعه، فنقول ما ثبت ونقول عن غيره: ذُكر ولم يثبت.

العبرة

الإخلاص والتقوى وطاعة القيادة أصل النصر لا الكثرة، ويحرص المسلم على أن يميز بين الثابت والمشهور من الأخبار.

المصدر: صحيح البخاري (الأذان، شكوى أهل الكوفة من سعد؛ الجزية والموادعة، حديث جبير بن حية في نهاوند)؛ صحيح البخاري ومسلم (ارمِ فداك أبي وأمي)؛ سنن الترمذي؛ تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية.

الدرجة: مركّب: شكوى أهل الكوفة وخبر نهاوند ثابتان في البخاري؛ أما تفاصيل القادسية (رستم وربعي وأبو محجن ومرض سعد) فمن تاريخ الطبري ومعظمها من رواية سيف بن عمر وفيه ضعف، فصيغت بصيغة النقل.