فتح بيت المقدس من أعظم الأحداث في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه صفحات من أدب الفاتحين وسماحتهم، وأخرى اختلطت فيها الرواية الصحيحة بالمشهور. وقد ذكرنا في قصة سابقة خطبة الجابية، وهذه القصة تتناول الدخول إلى إيلياء، وهي القدس، وما رُوي في العهد الذي أُعطي لأهلها.
مكانة بيت المقدس في الشرع
ذكر الله تعالى المسجد الأقصى في أول سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. وثبت في الصحيحين قوله ﷺ: لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد الأقصى. وثبت في البخاري من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في غزوة تبوك: اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، وذكر بقية الحديث. فكان فتح بيت المقدس مما أخبر به النبي ﷺ قبل وقوعه، وعدّه العلماء من علامات النبوة.
حصار إيلياء وطلب أهلها
تذكر كتب التاريخ، كتاريخ الطبري والبداية والنهاية، أن أبا عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من الأمراء حاصروا إيلياء بعد فتح مدن الشام، وأن أهلها طلبوا الصلح على أن يتولى عقده الخليفة نفسه. فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فخرج عمر من المدينة إلى الشام. واختلف المؤرخون في سنة الفتح بين 15 و16 هـ، وبعضهم قال 17 هـ.
ما اشتُهر في سفر عمر
اشتهر على الألسنة أن عمر خرج ومعه غلامه، وأنهما كانا يتناوبان ركوب البعير، وأن الدور وقع على الغلام عند دخول إيلياء، فدخل عمر ماشيًا يقود البعير. وهذه القصة ذكرها بعض المؤرخين، ولا نعرف لها إسنادًا متصلًا قويًا، فهي مما يُروى ولم يثبت. والذي صحّ في هذا الباب ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث طارق بن شهاب، قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له، فنزل عنها وخلع خفّيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة. فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرّني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: أوه، لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد ﷺ، إنا كنا أذلّ قوم فأعزّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. وقد صحح الحاكم هذا الأثر ووافقه الذهبي. وهذه الكلمة من أجمع ما قيل في معنى العزة عند المسلم.
الأمان لأهل إيلياء
ينقل الطبري نص أمان أعطاه عمر لأهل إيلياء، يذكر فيه أنه أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وأنها لا تُسكن ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيّزها، ولا يُكرهون على دينهم، وعليهم الجزية. وفي الرواية شروط أخرى في إخراج الروم واللصوص منها. وقد تكلم بعض الباحثين في ألفاظ هذه الوثيقة وفي بعض تفاصيلها، فلا نجزم بحروفها، لكن مضمونها، وهو أمان النفس والمال والعبادة، موافق لما ثبت من سياسة الإسلام مع أهل الذمة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
تنظيف الصخرة
ويُروى في بعض كتب التاريخ أن موضع الصخرة كان تراكمت عليه الأتربة، وأن عمر وأصحابه شاركوا في كنسها. وهذا مما ذكره ابن كثير وغيره عن بعض التابعين، ولا يبلغ درجة الصحة المعروفة، فنقتصر على ما سبق.
الصلاة وموضع المسجد
يذكر ابن كثير وغيره أن عمر لما دخل أراد الصلاة، وأن البطريرك دعاه ليصلي في كنيسة القيامة، فأبى وصلى خارجها، وقال إنه يخشى أن يأتي المسلمون بعده فيأخذوها ويقولوا هنا صلى عمر. وهذه الرواية في الطبري وغيره دون إسناد قوي، ولكن لها مكانتها عند المؤرخين لأنها تعبّر عن حرص الفاتحين على حفظ دور العبادة.
وروى الإمام أحمد وذكر ابن كثير أن عمر سأل كعب الأحبار: أين ترى أن نجعل المصلى؟ فقال: خلف الصخرة، فتجتمع القبلتان. فقال عمر: ضاهيتَ اليهودية، لا، ولكن نجعل قبلتنا صدره. أي في مقدمته من ناحية القبلة. وكعب الأحبار تابعي أسلم من أهل الكتاب، وقد ينقل عنه ما هو من أخبار أهل الكتاب، وفي هذه القصة أن عمر ردّ رأيه ولم يتبعه، فهي دليل على أن الصحابة لم يكونوا يأخذون كلام أهل الكتاب بلا نظر. والإسناد في هذه الرواية فيه نقاش بين العلماء فنذكرها على سبيل الحكاية لا الجزم.
فتح بلا غصب لدور العبادة
والمقصود أن الفتح الإسلامي لبيت المقدس لم يكن حدثًا عسكريًا فقط، بل كان تأسيسًا لنهج في التعامل مع الأماكن المقدسة لغير المسلمين. ومن أراد التوسع فليرجع إلى البداية والنهاية لابن كثير، فقد أورد روايات الفتح مع تعليقاته.
الخلاصة
ثبت من الشرع مكانة المسجد الأقصى، وثبت من فعل عمر كلمة العزة بالإسلام، واشتهر من الأخبار أمان أهل إيلياء وصلاته خارج الكنيسة، ولا يلزم أن تصح كل التفاصيل حتى نأخذ المعنى. والعزة في الإسلام هي في طاعة الله لا في مظاهر الدنيا، وهذا ما لخّصه عمر في كلمته على المخاضة، وهي من أصح ما يُحفظ عن الفاروق.
