Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

فتح مصر: وصية النبي ﷺ بأهلها وما اشتهر من خبر عمرو والفسطاط

عمرو بن العاص والزبير بن العوام رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

فتح مصر من الفتوح التي ارتبطت باسم عمرو بن العاص رضي الله عنه. وأخباره مدوّنة في كتاب فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم، وفي تاريخ الطبري وغيرهما، وفيها ما هو مشهور ولا يثبت، وفيها كلمة من النبي ﷺ ثابتة في الصحيح.

وصية النبي ﷺ بأهل مصر

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا. وفي رواية: فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة وصهرًا. وقد شرح النووي هذا الحديث، فنقل أن الرحم من جهة هاجر أم إسماعيل عليه السلام، وهي من أهل مصر، وأن الصهر من جهة مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي ﷺ. وهذا يعطي الفتح بعدًا خاصًا، فهو دخول إلى بلد أوصى النبي ﷺ بأهله خيرًا قبل فتحه.

استئذان عمرو وتردد عمر

يروي ابن عبد الحكم في فتوح مصر أن عمرو بن العاص كان قد ولي في فلسطين، وأنه حدّث عمر عن مصر وأهميتها وضعف الروم فيها، فتردد عمر ثم أذن. ويذكر أن عمر خشي على المسلمين من التفرق في بلاد بعيدة، وأنه كتب إلى عمرو كتابًا وهو في الطريق، فلم يفتحه عمرو حتى بلغ العريش، فلما قرأه وجد فيه: إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل مصر فارجع، وإن أدركك بعد دخولك فامضِ. فقال عمرو للناس: ألستم تعلمون أن هذا الكتاب جاءني بعد أن دخلنا أرض مصر؟ فمضى. وهذه القصة ذكرها ابن عبد الحكم وغيره، وإسنادها لا يخلو من مقال، ومعناها متسق مع حرص عمر على سلامة الجيش، فنوردها على سبيل النقل لا الجزم.

الفتح: حصن بابليون

تذكر كتب التاريخ أن المسلمين حاصروا حصن بابليون عدة شهور، وأن عمرًا استمد عمر فأمده بمن فيهم الزبير بن العوام رضي الله عنه، وهو من العشرة المبشرين بالجنة وحواري النبي ﷺ، وأنه صعد سور الحصن بسلّم فكبّر وكبّر معه المسلمون ففتح الله الحصن. وهذا مما ذكره ابن عبد الحكم والطبري. وأما تواريخ الفتح فاختلفت: فمنهم من جعله سنة 20 هـ ومنهم من قال قبل ذلك، ويظهر أن الفتح استغرق وقتًا ولم يكن في يوم واحد.

الصلح مع المقوقس

تذكر الروايات أن المقوقس، وهو لقب حاكم مصر من قبل الروم، صالح المسلمين على الجزية، وأنهم أعطوا أهل مصر أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وملتهم وبرّهم وبحرهم. ويذكر ابن عبد الحكم نص الصلح مع تحديد مقدار للجزية على من بلغ، وأن النساء والصبيان لا جزية عليهم. وهذه المعلومات تتفق مع المنهج العام للفتح الإسلامي، لكن نص الوثيقة المنقول متأخر الرواية، فنذكر الخلاصة دون الجزم بحروفه.

الفسطاط

اشتهر في تأسيس الفسطاط أن عمرًا لما عزم على الخروج إلى الإسكندرية أمر بنزع فسطاطه، فإذا حمامة قد باضت فيه، فقال: لقد تحرّمت بجوارنا، فأمر به فأُقرّ. ثم لما عاد نزل الناس حول الفسطاط، فسميت المدينة به. ويذكر هذا ابن عبد الحكم وابن كثير ضمن ما اشتهر في تاريخ مصر، وليس له إسناد قوي، فهو من القصص المشهورة، ونذكره على سبيل الحكاية.

قصة النيل: الأشهر وغير الثابت

اشتهر على الألسنة أن أهل مصر كانوا يلقون فتاة في النيل كل سنة لكي يفيض، وأن عمرو بن العاص كتب إلى عمر، فأرسل عمر بطاقة يقول فيها كلامًا للنيل، فألقاها عمرو في النيل فجرى. وهذه القصة ذكرها بعض المتأخرين، وإسنادها منقطع أو ضعيف، وقد نبّه بعض العلماء إلى أنها لا تثبت، ولا يصح أن يُنسب إليها ما لم يصح. وهي مثال على القصص التي تشتهر على الألسنة فيجدر بالمسلم أن يتثبت منها قبل روايتها.

المقوقس وكتاب النبي ﷺ

ومما يتصل بمصر قبل الفتح أن النبي ﷺ أرسل إلى المقوقس عظيم القبط كتابًا يدعوه إلى الإسلام، حمله حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، كما ذكر أهل السير، ومنهم ابن كثير في البداية والنهاية. وذكروا أن المقوقس ردّ ردًا لطيفًا ولم يسلم، وأهدى إلى النبي ﷺ هدايا فيها جاريتان، منهن مارية القبطية رضي الله عنها التي ولدت إبراهيم ابن النبي ﷺ. فكانت الصلة بين الإسلام ومصر قديمة قبل الفتح بسنين.

عدل الولاة: ابن عمرو والقبطي

اشتهرت قصة رواها ابن عبد الحكم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلًا من أهل مصر جاء إلى عمر بالمدينة فشكا أن ابن عمرو بن العاص ضربه بعد سباق، وقال له: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو أن يقدم هو وابنه، ثم أعطى القبطي السوط يضرب ابن الأكرمين، وقال كلمته المشهورة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. وهذه القصة ذكرها ابن عبد الحكم، وفي إسنادها مقال عند أهل العلم، وكلمة عمر فيها مشهورة جدًا على الألسنة، ولا نقطع بنسبتها إليه بهذا السياق، لكن المعنى الذي تدل عليه من عدل عمر مع الرعية ثابت في سيرته من طرق أخرى.

الدرس

أوصى النبي ﷺ بأهل مصر قبل الفتح، وجاء الفتح ومعه العهد والأمان لأهلها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وتتابعت بعده ولاية الولاة وفيها ما يدل على أن الخليفة كان يتابع عماله ويقتص من تعدّى منهم. وبقيت مصر بعد الفتح إحدى حواضر الإسلام الكبرى. وعلى المسلم أن يتثبت من القصص المشهورة فلا ينسب إلى الصحابة ما لم يصح عنهم.

العبرة

الوصية بأهل الذمة من سنة النبي ﷺ، وعلى المسلم أن يتثبت من القصص المشهورة قبل روايتها.

المصدر: صحيح مسلم (فضائل الصحابة، وصية النبي ﷺ بأهل مصر، حديث أبي ذر)؛ فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم؛ تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية؛ شرح النووي على مسلم.

الدرجة: مركّب: وصية النبي ﷺ بأهل مصر صحيحة في مسلم؛ أما تفاصيل الفتح وكتاب عمر والفسطاط وقصة ابن عمرو والقبطي فمن ابن عبد الحكم وغيره وفي أسانيدها مقال؛ وقصة النيل لا تثبت، وقد نُبّه على ذلك صراحة.