Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

جمع عثمان الناس على مصحف واحد: القصة من صحيح البخاري

عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من أعظم الأعمال التي ارتبط بها اسم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه جمع الناس على مصحف واحد. وقد ثبتت تفاصيل هذه القصة في صحيح البخاري، وهي من أوثق ما يُروى في تاريخ المصحف، فنرويها هنا من الصحيح مع بيان أقوال العلماء فيها.

جمع أبي بكر وجمع عثمان

ينبغي التفريق بين جمعين: الأول في زمن أبي بكر رضي الله عنه بعد اليمامة، حين جُمع القرآن في صحف خشية ذهابه بموت القراء، وكانت الصحف عند أبي بكر ثم عمر ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم. والثاني في زمن عثمان رضي الله عنه، وكان الغرض منه توحيد القراءة على حرف قريش ودفع الاختلاف بين الناس، وقد سبق لنا أن عرضنا قصة جمع أبي بكر.

سبب الجمع: حذيفة بن اليمان

روى البخاري في فضائل القرآن من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان.

لجنة النسخ

فأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق. هذا نص الرواية في البخاري بمعناه.

الآية التي فُقدت ثم وُجدت

وفي الحديث نفسه عن زيد بن ثابت قال: فقدتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، وهي قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، فألحقناها في سورتها في المصحف. وهذا يبيّن أن الاعتماد لم يكن على الحفظ وحده ولا الكتابة وحدها، بل على الجمع بين ما كُتب بين يدي النبي ﷺ وما حفظه الصحابة.

الخلاف في لفظ التابوت

وروى البخاري في بعض طرقه عن الزهري أن زيدًا والقرشيين اختلفوا في لفظة التابوت، فقال القرشيون التابوت وقال زيد التابوه، فرُفع الاختلاف إلى عثمان فقال: اكتبوه التابوت فإنه نزل بلسان قريش. وتفيد الرواية أن اللجنة لم تغيّر شيئًا في نص القرآن، وإنما وحّدت طريقة كتابته.

لماذا قريش؟ والأحرف السبعة

وكان الصحابة قبل ذلك يقرؤون بما علّمهم النبي ﷺ من وجوه التيسير، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأه النبي ﷺ، فلببه بردائه وجاء به إلى النبي ﷺ، فقال لكل منهما: هكذا أنزلت، ثم قال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه. ثم لما اتسعت الفتوح واختلط العرب بالعجم وصار كل مصر يقرأ بما تعلمه من صحابي، خُشي أن يتحول هذا السعة إلى نزاع، فكان رأي عثمان ومن معه من الصحابة جمع الناس على ما استقرت عليه العرضة الأخيرة وما ثبت متواترًا، وكتابته بلسان قريش. واختلف العلماء في تفصيل مسألة الأحرف السبعة وعلاقة المصحف العثماني بها، وهي من مسائل علوم القرآن التي يطول فيها الكلام ولا نخوض فيها هنا.

موقف الصحابة من عمل عثمان

روى ابن أبي داود في كتاب المصاحف عن سويد بن غفلة قال: قال علي رضي الله عنه: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملإ منا. وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري هذا الأثر واحتج به على موافقة الصحابة، وذكر أن إسناده صحيح. وأما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فرُوي أنه كره أن يُعزل عن النسخ ويتولاه زيد، وهو من أقدم الصحابة إسلامًا، وهذا مروي في بعض الروايات وفيه كلام للعلماء، ولا يعني أنه طعن في القرآن ولا في أمانة عثمان.

أثر الإحراق

وروى ابن أبي داود في المصاحف عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد. وقد احتج به العلماء على إجماع الصحابة. وكان الإحراق لما سوى المصحف المجموع من الصحف والمصاحف التي فيها اختلاف أو نسخ تلاوة، صيانة لا تفريطًا، وهو مما ذهب إليه العلماء في تعليله.

عدد النسخ المرسلة

تعددت الأقوال في عدد المصاحف التي أرسلها عثمان: فقيل أربعة، وقيل خمسة، وقيل سبعة، والمشهور عند كثير من العلماء إرسالها إلى مكة والشام والبصرة والكوفة مع مصحف أبقاه عثمان بالمدينة. ولم يثبت في الصحيح تحديد عددها، فلا نجزم بعدد.

ثمرة هذا العمل

بفضل هذا العمل اتفقت الأمة على رسم واحد للمصحف، وانتهى الاختلاف الذي خافه حذيفة، وحُفظ كتاب الله بما وعد: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وقد قال ابن كثير ومن قبله العلماء إن عثمان رضي الله عنه نال بهذا الجمع أجرًا عظيمًا في الإسلام.

الدرس

تعلمنا هذه القصة أن حفظ الدين يحتاج إلى حكمة القيادة وسرعة التدارك قبل استفحال الخلاف، وأن الشورى مع أهل العلم أساس القرارات الكبرى، وأن ما بذله الصحابة في كتابة القرآن وتوثيقه هو أعظم ما قُدّم لهذه الأمة.

العبرة

حفظ كتاب الله بالشورى والتوثيق، وسرعة تدارك الخلاف قبل استفحاله.

المصدر: صحيح البخاري (فضائل القرآن، جمع القرآن، حديث أنس بن مالك)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث عمر وهشام بن حكيم)؛ كتاب المصاحف لابن أبي داود؛ فتح الباري لابن حجر؛ سورة الحجر وسورة الأحزاب.

الدرجة: الحادثة الأساسية ثابتة في صحيح البخاري؛ وأثر علي ثابت بإسناد صحيح كما نقل ابن حجر؛ أما موقف ابن مسعود وعدد النسخ المرسلة فمختلف فيهما وقد نُبّه عليه.