انتقل أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الرفيق الأعلى بعد نحو سنتين وأشهر من الخلافة، وكانت أيامه الأخيرة مليئة بالدروس: في اختيار الخليفة بعده، وفي زهده، وفي طريقة وداعه للدنيا. ونعرض هنا ما ثبت من ذلك في الصحيح، وما ذكره أصحاب الطبقات والتاريخ مع التنبيه على درجة كل خبر.
مرضه ووفاته
يذكر ابن سعد في الطبقات والطبري في تاريخه أن مرض أبي بكر بدأ بحمّى بعد أن اغتسل في يوم بارد، وأنه مكث نحو خمسة عشر يومًا، وأنه أمر عمر بالصلاة بالناس في أثناء مرضه. وهذه التفاصيل من روايات ابن سعد والواقدي، ومنها ما فيه ضعف، فنقتصر على الجملة. والثابت عن عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري، في كتاب الجنائز، أنها قالت إن أبا بكر دخل عليها فقال: في كم كفّنتم النبي ﷺ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سَحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ؟ قالت: يوم الاثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين. قال: أرجو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلى ثوب عليه كان يُمرَّض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفّنوني فيها. قلت: إن هذا خَلَق. قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة. فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء ودُفن قبل أن يصبح. هذا ثابت في البخاري، وفيه زهده وتمنّيه أن يوافق وفاة النبي ﷺ في اليوم.
الاستخلاف: مشاورة كبار الصحابة
لم يترك أبو بكر الأمر دون مشاورة. فقد ذكر ابن سعد والطبري أنه شاور عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وأسيد بن حضير وغيرهم من المهاجرين والأنصار في استخلاف عمر. وتروي كتب الطبقات أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه دخل عليه فقال: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر على الناس وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أبالله تخوّفني؟ إذا سألني ربي قلت: استخلفت عليهم خير أهلك. وهذه الرواية معروفة في كتب التاريخ بأسانيد فيها ضعف، لكن معناها متسق مع ما اشتهر من فضل عمر وإخلاص أبي بكر في اختياره. وقد ذكرنا في أول هذه السلسلة خبر البيعة لأبي بكر في السقيفة كما رواه عمر في صحيح البخاري.
كتابة العهد: عثمان بن عفان
وتروي كتب التاريخ أن أبا بكر أملى عهده على عثمان بن عفان، فكتب عثمان صدر العهد: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد... ثم أُغمي على أبي بكر قبل أن يسمّي الخليفة، فكتب عثمان: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلُكم خيرًا. فلما أفاق قال: اقرأ عليّ، فقرأ، فكبّر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن افتُلتت نفسي في غشيتي؟ قال: نعم. قال: جزاك الله خيرًا عن الإسلام وأهله، وأقرّه من هذا الموضع. وهذا الخبر مذكور في ابن سعد والطبري، وأسانيده فيها كلام، فنقله على سبيل الحكاية، مع التأكيد أن أصل الاستخلاف ثابت لا خلاف فيه.
أول خطبة له وثناء علي عليه
ويذكر ابن إسحاق في السيرة، ونقله ابن كثير، أن أبا بكر قال في خطبته الأولى بعد البيعة: أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني. الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع إليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. وقد عدّ ابن كثير إسنادها جيدًا.
وروى البخاري في فضائل الصحابة عن محمد ابن الحنفية قال: قلت لأبي، يعني علي بن أبي طالب: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. فهذه شهادة علي نفسه لأبي بكر وعمر، وهي مما رواه البخاري.
زهده وما ردّه إلى بيت المال
وروى البخاري في كتاب البيوع من حديث عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر لما استُخلف قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشُغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه. وتروي كتب الطبقات أنه عند موته أوصى أن يُردّ إلى بيت المال ما أخذه من مال المسلمين، وأن يُباع له من أرضه ما يسدّ ذلك. وأن عمر لما بلغه ذلك بكى وقال: رحمك الله يا أبا بكر، لقد أتعبت من بعدك. فهو خبر مشهور، وإن لم يبلغ درجة الصحة في الأسانيد، لكن معناه يتفق مع ما ثبت في البخاري من حرصه على ألا يأكل من مال المسلمين شيئًا حرامًا.
دفنه
ذكر المؤرخون أن أبا بكر دُفن إلى جانب رسول الله ﷺ في حجرة عائشة رضي الله عنها، وجُعل رأسه عند كتفي النبي ﷺ، وأن عمر صلى عليه. ومات رضي الله عنه وعمره ثلاث وستون سنة في أكثر الروايات، وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر ونصفًا على المشهور. وفي بعض هذه التفاصيل خلاف يسير بين المؤرخين، والمتفق عليه أنه توفي سنة 13 هـ.
ما بقي من أثره
لم يمتد عهده إلا سنتين، لكن الله أجرى على يديه حفظ الأمة من أعظم أخطارها، فقد ثبّت المسلمين عند وفاة النبي ﷺ، وقاتل المرتدين وأهل الزكاة، وجمع القرآن، وجهّز جيوش الشام والعراق، واستخلف عمر. وفي الصحيح من حديث أبي سعيد قول النبي ﷺ: إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر. ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودته.
