Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

وقعة الجمل: ما ثبت وما شاع، وأدب الكلام في الصحابة

عائشة وعلي وطلحة والزبير وعمار رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

وقعة الجمل أول قتال بين المسلمين في عهد الخلافة الراشدة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه. وهي من الأحداث التي ينبغي أن نقرأها بعين التحفّظ والأدب مع الصحابة، فقد اختلط فيها الصحيح بالمكذوب على يد الرواة المتشيعين لهذا الفريق أو ذاك. ونحاول هنا أن نذكر الثابت وما اشتهر مع التنبيه.

بيعة علي واختلاف الأنظار

بعد مقتل عثمان رضي الله عنه في ذي الحجة سنة 35 هـ بايع المسلمون علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المدينة. وكان أصحاب رسول الله ﷺ مجتمعين على أنه أحق الموجودين بالخلافة، لكن اختلفوا في كيفية التعامل مع قتلة عثمان: فرأى علي أن يُؤخّر القصاص حتى تهدأ الأمور وتستقر الدولة، ورأى طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم أن يُسرع بالقصاص أو أن يُطلب الإصلاح. ولم يكن الخلاف في أصل الخلافة، وإنما في ترتيب الأولويات.

خروج عائشة وطلحة والزبير

ذكر المؤرخون، ومنهم ابن كثير، أن عائشة رضي الله عنها كانت في مكة حاجّة حين قُتل عثمان، وأن طلحة والزبير لحقا بها، وسار الجميع إلى البصرة. ويذكر ابن حجر في فتح الباري أن عائشة ومن معها لم يقصدوا القتال، وإنما خرجوا للإصلاح بين الناس وطلب القصاص من قتلة عثمان. وهذا ما رجحه كثير من أهل العلم.

وقد روى أحمد في مسنده حديثًا مشهورًا أن النبي ﷺ قال لنسائه: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، يُقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثير، وتنجو بعدما كادت. وقد صحح إسناده بعض أهل العلم، ومنهم ابن حجر وجماعة، وتوقف فيه آخرون، فلا نجزم بحكمه.

موقف عمار بن ياسر: حديث البخاري

روى البخاري في كتاب الفتن عن أبي مريم أن عمارًا خطب بأهل الكوفة حين جاء مع الحسن بن علي رضي الله عنهما يستنفرهم، فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي. فهو نص صريح من عمار، وهو في صف علي، يقرّ فيه بمنزلة عائشة رضي الله عنها وأنها زوج النبي ﷺ في الجنة، فلا يصح لأحد أن يطعن فيها.

كلمة أبي بكرة

وروى البخاري في كتاب الفتن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، بعدما كدتُ أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة. ويُفهم من صنيع أبي بكرة أنه رأى اعتزال القتال لما تذكّر الحديث. وقد بيّن بعض العلماء أن الحديث في الولاية العامة، وأن عائشة رضي الله عنها لم تخرج طالبة للولاية وإنما للإصلاح، فلا يكون خروجها داخلًا في معناه عندهم.

الوقعة

ذكر المؤرخون أن الفريقين تراسلوا قبل القتال، وأن الأمر كاد ينتهي إلى الصلح، ثم وقع القتال فجأة في الصباح. ويذكر الطبري من رواية سيف بن عمر أن من أثار الفتنة هم قتلة عثمان الذين خافوا من الصلح فأشعلوا القتال في الليل. وهذه الرواية أخذ بها كثير من العلماء المتأخرين، لكن إسنادها فيه ضعف، فنقول: ذكر ولم يثبت بسند قوي. والذي لا خلاف فيه أن القتال وقع، وأن كثيرًا من الصحابة قُتلوا، وأن عليًا رضي الله عنه كان كارهًا للقتال.

مقتل طلحة والزبير

يذكر المؤرخون أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أصابه سهم في المعركة فمات منه، وأن الزبير بن العوام رضي الله عنه انصرف عن القتال، وقيل إن عليًا ذكّره بقول النبي ﷺ فانصرف، وأنه قُتل غدرًا بوادي السباع على يد ابن جرموز. ويذكر ابن كثير أن عليًا لما أتى برأس الزبير قال: بشّر قاتل ابن صفية بالنار. وهذه القصص مشهورة في كتب التاريخ، وأسانيدها فيها ضعف، ويبقى القدر المشترك الثابت أن الرجلين من العشرة المبشرين بالجنة وأنهما قُتلا في هذه الفتنة.

عائشة بعد الوقعة

يذكر الطبري وابن كثير أن عليًا أكرم عائشة رضي الله عنها وأرسلها إلى المدينة معززة مكرمة مع نساء من نساء البصرة، وأرسل معها أخاها محمد بن أبي بكر. ويذكرون أنها قالت يومئذ: يا بني، لا يعتب بعضنا على بعض، والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار. فقال علي: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة. وهذا الخبر مشهور وإسناده مما فيه كلام، لكن الأدب بين الفريقين ثابت في جملته. ويذكر الذهبي وغيره أنها كانت إذا قرأت قول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ بكت حتى تبلّ خمارها، وهذا مما يروى في كتب السير بأسانيد مختلفة.

أدب علي مع قتلاهم

ينقل ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ أن عليًا قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم هذه الآية. وهذا يدل على سلامة صدره نحو إخوانه الصحابة، وهو منهج أهل السنة: الكف عما شجر بين الصحابة، والترضي عنهم جميعًا.

الدرس

علمنا القرآن في سورة الحجرات: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فسماهم المؤمنين مع القتال. وبهذا يبقى أهل الجمل مؤمنين مجتهدين، لهم أجر الاجتهاد، وعلينا أن نترضى عنهم جميعًا ولا نخوض فيما شجر بينهم إلا بقدر الحاجة وبأدب.

العبرة

الكفّ عما شجر بين الصحابة، والترضّي عنهم، والتثبت من روايات الفتنة التي كثر فيها الكذب.

المصدر: صحيح البخاري (الفتن؛ خطبة عمار؛ حديث أبي بكرة)؛ مسند أحمد (حديث الحوأب)؛ تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية؛ تفسير ابن كثير (سورة الحجر)؛ فتح الباري؛ سورة الحجرات.

الدرجة: مركّب: خطبة عمار وحديث أبي بكرة ثابتان في البخاري؛ حديث الحوأب اختُلف في تصحيحه؛ أما تفاصيل الوقعة ومقتل طلحة والزبير وحوار علي وعائشة فمن الطبري وغيره بأسانيد فيها ضعف، ومن رواية سيف في بعضها، فصيغت بصيغة النقل.