Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلافة الراشدة
الخلافة الراشدةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

صفين والتحكيم: ما صح في حديث عمار وما لا يطمأن إليه

علي بن أبي طالب ومعاوية وعمار بن ياسر رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

معركة صفين من أشد الأحداث ألمًا في تاريخ الصحابة، فقد وقعت بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. وتحتاج قراءتها إلى ميزان دقيق، فأكثر تفاصيلها في كتب التاريخ من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى، وهو إخباري ضعيف جدًا عند أهل الحديث، ومن رواية سيف بن عمر التميمي المتكلَّم فيه. فنذكر هنا الجملة التي لا خلاف فيها، وما صحّ في الأحاديث، وننبّه على ما لا يُطمأن إليه.

الخلاف بين علي ومعاوية

لما بويع علي رضي الله عنه بعد مقتل عثمان، كان معاوية أميرًا على الشام. فطلب معاوية قتلة عثمان، وكان عثمان من بني أمية قرابة معاوية، وامتنع عن البيعة حتى يُقتص منهم. ورأى علي أن البيعة أولًا ثم النظر في القصاص حين تستقر الأمور. فلم يكن النزاع على الفضل ولا على سبق الإسلام، فعلي أفضل منه بلا خلاف عند أهل السنة، وإنما كان نزاعًا في طريقة الاقتصاص من القتلة وفي بيعة الإمام. وقد سبق وقعة الجمل التي ذكرنا.

حديث عمار: ما ثبت في الصحيح

ثبت في صحيح البخاري، في كتاب الصلاة، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنهم كانوا ينقلون لبن بناء المسجد النبوي لبنةً لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. وروى مسلم أحاديث في معناه: تقتل عمارًا الفئة الباغية. وقد قُتل عمار رضي الله عنه في صفين وهو مع علي. قال العلماء، ومنهم ابن حجر وابن تيمية: هذا الحديث من دلائل النبوة، ويدل على أن عليًا أقرب إلى الحق في تلك الحرب. غير أن العلماء بيّنوا أن لفظ الباغية هنا لا يعني الفسق ولا الكفر، فهم مجتهدون متأولون، والبغي هو الخروج عن طاعة الإمام بتأويل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾. فسمى الله الباغية في سياق ذكره المؤمنين.

كيف وصف علي خصومه؟

روى البيهقي في السنن الكبرى، في كتاب قتال أهل البغي، أن عليًا رضي الله عنه سُئل عن أهل الجمل: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فرّوا. قيل: أمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وهذا الأثر من أجمل ما يُروى عن علي في وصف المخالفين، ويدل على أن أهل السنة لا يكفّرون أحدًا من الصحابة. وقد ذكره أهل العلم في باب قتال البغاة، وذكروا أن حكمهم أنه لا يُتبع مدبرهم ولا يُجهز على جريحهم.

من اعتزل: سعد وابن عمر

اعتزل كثير من الصحابة القتال، ومنهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم. وقد ثبت في الصحيحين حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرّف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجأً أو معاذًا فليعذ به. وفهم هؤلاء الصحابة من الحديث ترك القتال بين المسلمين. ولا يُنكر على من رأى القتال مع علي من الصحابة، فقد كان عمار وغيره معه.

الدخول في القتال

تذكر كتب التاريخ أن الفريقين التقيا في صفين قرب نهر الفرات سنة 37 هـ، وأقاموا فترة يتراسلون ويحاول بعضهم الصلح، ثم تقاتلوا أيامًا. وتذكر أن علي بن أبي طالب كان في بعض الأيام يأمر الناس بألا يبدؤوا القتال وألا يجهزوا على الجريح. ويصعب التحقق من الأعداد والتفاصيل التي ذكرها أبو مخنف، فنتوقف عنها.

رفع المصاحف والتحكيم

اشتهر في كتب التاريخ أن جيش الشام لما رأى الهزيمة أوشكت، أشار عمرو بن العاص على معاوية برفع المصاحف على الرماح والدعوة إلى التحاكم إلى كتاب الله، فاختلف جيش علي، وأصر فريق منهم على قبول ذلك، واضطر علي إلى قبول التحكيم. ثم عيّن معاوية عمرًا حكَمًا، وعيّن أصحاب علي أبا موسى الأشعري. وهذه الصورة جاءت من رواية أبي مخنف في الطبري، وهي مشهورة جدًا لكن في إسنادها ضعف شديد، وقد تكلم العلماء، كابن العربي في العواصم من القواصم، وابن تيمية، فيما شاع حولها.

قصة خلع علي وتثبيت معاوية

ومما اشتهر أن أبا موسى وعمرو بن العاص اتفقا على خلع الرجلين، فتقدم أبو موسى فخلع عليًا ومعاوية، وتقدم عمرو فخلع عليًا وأثبت معاوية، فخدعه. وهذه القصة أيضًا من رواية أبي مخنف في الطبري، وقد ردّها غير واحد من المحققين، ومنهم ابن العربي الذي أنكر أن يكون الصحابيان الجليلان فعلا ذلك. فلا يصح نسبة الخيانة إلى عمرو بن العاص ولا الغفلة إلى أبي موسى رضي الله عنهما بمثل هذه الرواية.

موقف أهل السنة

اتفق أهل السنة على أن عليًا كان الخليفة الراشد والأقرب إلى الحق في صفين، وأن معاوية ومن معه كانوا مجتهدين متأولين، وأن من اجتهد فأخطأ فله أجر، كما ثبت في الصحيح من حديث عمرو بن العاص: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر. ولا يجوز سبّ أحد من الصحابة، فقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: لا تسبّوا أصحابي.

الدرس

الدرس من هذه الفتنة أن الأمة مطالبة بالكفّ عما شجر بين أصحاب النبي ﷺ، وبالتثبت من الروايات التاريخية في هذا الباب، فكثير منها وضعه رواة متحيزون. ومن الخير لمن أراد التفصيل أن يقرأ العواصم من القواصم لابن العربي مع تعليق محب الدين الخطيب.

العبرة

نكفّ عن الخوض فيما شجر بين الصحابة، ونتثبت من الروايات التاريخية، ونعلم أن المجتهد المخطئ مأجور.

المصدر: القرآن الكريم (سورة الحجرات)؛ صحيح البخاري (الصلاة، تقتله الفئة الباغية؛ الفتن، القاعد فيها خير من القائم)؛ صحيح مسلم؛ السنن الكبرى للبيهقي (قتال أهل البغي)؛ تاريخ الطبري؛ العواصم من القواصم لابن العربي؛ البداية والنهاية.

الدرجة: مركّب: حديث عمار وحديث الفتن ثابتان في الصحيحين؛ وأثر علي إخواننا بغوا علينا في سنن البيهقي؛ أما رفع المصاحف وقصة خلع علي في التحكيم فمن رواية أبي مخنف عند الطبري وهي ضعيفة جدًا، وقد نُبّه على ذلك.