Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

بروك الناقة وثمن الأرض: كيف اختير موضع المسجد النبوي وما بُني به

النبي محمد ﷺ وبنو النجار وأبو أيوب الأنصاري

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

لما وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرًا نزل أول الأمر في قباء عند بني عمرو بن عوف، وأسس هناك مسجد قباء. ثم ركب ناقته ودخل المدينة، والناس يتنافسون في إنزاله عندهم، وهو يقول: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة». وهذه القصة تجمع الروايات الصحيحة في اختيار موضع المسجد النبوي وثمنه وهيئته، دون الدخول في ما كتبناه سابقًا من نقل اللبن مع الصحابة.

— الناقة تبرك — روى ابن إسحاق في السيرة أن الناقة مضت حتى بركت عند موضع مسجده اليوم، ثم قامت وسارت قليلًا والتفتت، ثم عادت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها. وقال ﷺ: «ها هنا المنزل إن شاء الله». وفي رواية البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أنه ﷺ كان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم أمر ببناء المسجد.

وذكر أهل السير أن الموضع كان مِربدًا، أي مكانًا تُجفَّف فيه التمور، لغلامين يتيمين من بني النجار هما سهل وسهيل، وكانا في حجر أسعد بن زرارة رضي الله عنه، وقيل في حجر معاذ بن عفراء. وهذا الاختلاف في اسم الكافل ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وصرّح بأن ما وقع من تفاصيل ثمنه لم يثبت بإسناد صحيح. وقد رُوي أن النبي ﷺ أراد أن يتخذه مسجدًا فعرضا عليه أن يأخذه هبة، فأبى إلا أن يبتاعه، وأن أبا بكر رضي الله عنه دفع الثمن، وقدّره بعضهم بعشرة دنانير. وهذا مذكور في كتب السيرة والطبقات ولا يثبت بسند صحيح، فنذكره على أنه مروي لا مجزوم به.

— حديث أنس في الصحيح — والأصح في السياق ما رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قدم النبي ﷺ المدينة فنزل في عُلو المدينة في حيّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدين بسيوفهم. قال أنس: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر رِدفه وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب. وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد. فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا». قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.

— أرض فيها قبور وخرب ونخل — قال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خَرِب، وفيه نخل. فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنُبشت، وبالخَرِب فسُوّيت، وبالنخل فقُطع. فصفّوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، والنبي ﷺ معهم وهو يقول: «اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة».

وفي هذا فقه: جواز نبش قبور المشركين التي لا حرمة لها عند الحاجة لعمارة المسجد، كما قال العلماء في شرح الحديث، لأنهم لا يُصلّى عليهم ولا تجب لقبورهم الحرمة التي لقبور المسلمين. وفيه جواز استعمال أرض المقبرة بعد تسويتها، وجواز قطع النخل للمصلحة.

— دار أبي أيوب — وأقام النبي ﷺ في بيت أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه نحو سبعة أشهر حتى بُني المسجد وبُنيت حجرات أزواجه، كما ذكره أهل السير. ونزل ﷺ في السفل وأبو أيوب في العلو، فاستحيا أبو أيوب أن يعلو النبي ﷺ ويمشي فوق رأسه، وطلب أن ينتقلا، فقال له ﷺ: «السفل أرفق بنا وبمن يغشانا». وهذا من حسن أدب الصحابة وحرصهم.

— هيئة المسجد — وصف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما المسجد في الصحيح فقال: «إن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًّا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غيّره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج». رواه البخاري. ففي هذا الحديث عن شاهد عيان وصفُ بناء المسجد في ثلاثة عهود.

وجعلت قبلته أولًا إلى بيت المقدس، ثم حُوّلت إلى الكعبة في السنة الثانية. وكان له ثلاثة أبواب كما ذكر أهل السير، وفي سقفه جريد النخل، ولم يكن له سراج في أول الأمر، وكان إذا أمطرت السماء وكف السقف صلّى النبي ﷺ في الماء والطين، كما في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري في ليلة القدر، حيث سجد النبي ﷺ في الماء والطين حتى رأى أبو سعيد أثر الطين على جبهته.

— ملحقات المسجد — وبنى النبي ﷺ بجانب المسجد بيوتًا لأزواجه من لبن وجريد، ذكر الحسن البصري أنه كان يدخلها وهو غلام فينال السقف بيده، رواه البخاري في الأدب المفرد. وجعل في المسجد موضعًا لأهل الصفة، وهم فقراء المهاجرين الذين لا مأوى لهم.

— منزلة المسجد — وفي صحيح مسلم أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المسجد الذي أُسس على التقوى، فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا»، لمسجد المدينة. ومعلوم أن الآية نزلت في قباء، فجمع العلماء بأن كلًّا منهما أُسس على التقوى، وإن كان بعضهم قد رأى أن النبي ﷺ أراد بيان أن مسجد المدينة أحق بهذا الوصف. وقال ﷺ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»، رواه البخاري ومسلم.

وكان المسجد أكثر من موضع صلاة؛ فكان فيه يُعلَّم الناس، ويستقبل الوفود، ويُقضى بين الخصوم، وتُعقد الألوية، ويُؤوى فيه الفقراء. وكان مركز الدولة الناشئة، وهذه وظيفة المسجد في الإسلام منذ أول يوم.

— فوائد القصة — بُني المسجد بغير تكلّف، من اللبن والنخل والجريد، وجعلت الأمة الإسلامية بعد ذلك تتنافس في العمارة. لكن النبي ﷺ حذّر من المباهاة بالمساجد، فقال: «ما أُمرت بتشييد المساجد»، رواه أبو داود، وقال ابن عباس: «لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنصارى». ذكره البخاري معلقًا. وهذا مما يوازن به المسلم بين تعظيم المسجد وبين الإسراف في زخرفته.

العبرة

المسجد أول مؤسسة بناها النبي ﷺ في دار الهجرة، وبُني بالإخلاص والبساطة، وكان للعبادة والعلم والاجتماع.

المصدر: صحيح البخاري (كتاب الصلاة، باب هل تُنبش قبور مشركي الجاهلية ويُتخذ مكانها مساجد؛ وباب بنيان المسجد)؛ صحيح مسلم (باب بيان المسجد الذي أُسس على التقوى)؛ سيرة ابن إسحاق؛ فتح الباري لابن حجر.

الدرجة: حديث أنس وحديث ابن عمر في صحيح البخاري؛ وأسماء اليتيمين ودفع أبي بكر الثمن مروي في كتب السيرة ولم يثبت بإسناد صحيح، ونبّه على ذلك ابن حجر.