Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

قد نرى تقلب وجهك في السماء: تحويل القبلة وما قيل فيه وما نزل

النبي محمد ﷺ والصحابة واليهود والمنافقون

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

كان استقبال بيت المقدس في الصلاة أول أمر القبلة في الإسلام، ثم نُسخ إلى استقبال الكعبة. وفي هذا التحويل حكمة جليلة وامتحان عظيم للمؤمنين، وقد كثرت الروايات الصحيحة فيه، وتعدّدت مواضعه. وهذه القصة تجمع مجمل ما صح، دون أن تقتصر على خبر أهل قباء وحدهم.

— قبلة الصلاة قبل الهجرة وبعدها — ثبت أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون في مكة إلى بيت المقدس، وكان ﷺ يحرص على أن تكون الكعبة بينه وبين بيت المقدس، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في روايات رُويت عنه وذكرها المفسرون، والله أعلم بدرجة كل رواية. فلما هاجر إلى المدينة استمرّ على استقبال بيت المقدس، ويُروى أن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا. وكان النبي ﷺ يحب أن تكون قبلته إلى الكعبة، قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام.

روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «صلّينا مع النبي ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأنه صلّى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليتُ مع النبي ﷺ قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت».

— الآيات النازلة — قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. قال ابن كثير: كان رسول الله ﷺ يقلّب وجهه في السماء ينتظر الوحي، حبًّا في أن تكون قبلته الكعبة. وقد اختار الله لنبيه ما يرضاه، وجاء الأمر بصيغة ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ تأكيدًا ووعدًا، وأمر بصيغة ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي ناحيته، فمن لم يرَ الكعبة فيكفيه التوجه إلى جهتها.

— صلاة الفجر في قباء — وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي ﷺ قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وفي صحيح مسلم عن أنس أن رجلًا من بني سلمة مرّ وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلّوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حُوّلت، فمالوا كما هم نحو القبلة.

ويُجمع بين رواية البراء في العصر ورواية ابن عمر في الفجر بأن الخبر وصل إلى بعض أهل المدينة في العصر، وإلى أهل قباء في الصبح من اليوم التالي، لأن قباء أبعد. ذكر ذلك ابن حجر وغيره. وأما ما ذُكر أن النبي ﷺ كان في صلاة الظهر في مسجد بني سلمة حين نزلت الآية، فاستدار في أثناء الصلاة ولذلك سُمّي مسجد القبلتين، فهو مما ذكره ابن سعد في الطبقات وأهل السير، وإسناده لا يخلو من ضعف، ومعروف عند أهل المدينة. فليس هذا مما ثبت بالصحيح.

وفقه الحادثة: من لم يبلغه الناسخ فعمله على المنسوخ صحيح، فلم يأمرهم النبي ﷺ بإعادة الصلاة التي صلّوها إلى بيت المقدس، ولا بإعادة ما صلّوه في ذلك اليوم قبل بلوغ الخبر. وأن الصلاة الواحدة يجوز فيها أن يدور المصلون وتتحول الصفوف بحسب الحاجة.

— تهكّم السفهاء — قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. جاء في رواية البراء عند البخاري أن السفهاء هم اليهود، وقال بعض المفسرين: هم اليهود والمنافقون والمشركون، فقد كان لكل فريق ما يتكلّم به. فاليهود قالوا: تحيّر محمد في دينه، والمنافقون شككوا، والمشركون قالوا: عاد إلى قبلتنا ويوشك أن يرجع إلى ديننا. وقد سبقت الآية بالرد قبل وقوع القول، وهذا من الإعجاز الإخباري، إذ قال الله ﴿سَيَقُولُ﴾ فوقع كما أخبر.

والجواب الإلهي: ﴿قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، فالجهات كلها لله، والاتجاه عبادة وطاعة إذا أمر الله به. وقال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.

— حكمة الامتحان — قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾. فالتحويل ميزان يمتحن به المؤمن الصادق الذي لا يعارض أمر الله بعقله، من الذي يرتد على عقبيه. قال ابن كثير: كان تحويل القبلة شديدًا على نفوس بعض الناس، فثبّت الله الذين هداهم، فاتبعوا الرسول ﷺ.

— وماذا عمّن ماتوا قبل التحويل؟ — وهذا من أجمل ما في الباب. قال البراء في الحديث نفسه: «وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحوَّل قِبَل البيت رجال قُتلوا لم ندرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾». وفسّر المفسرون الإيمان هنا بالصلاة إلى بيت المقدس، أي لا يضيع الله صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس بأمره. فيه رحمة بالمتقدمين وطمأنة لمن بقي. ويُروى أن ابن عباس قال: لما وُجّه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فنزلت. رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما، وقال الترمذي: حسن صحيح.

— الأمة الوسط — ومن تتمة الآيات: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. والوسط في تفسير الطبري: العدل والخيار، فالأمة التي اختارها الله جعل لها قبلة وسطًا هي أشرف القبل وأقدمها بناء.

— متى كان التحويل؟ — اختلف المؤرخون في وقته، والأشهر أنه في شهر رجب أو شعبان من السنة الثانية للهجرة، بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا من قدومه المدينة، وهو المذكور في رواية البراء. ولا يتوقف الحكم على ضبط اليوم.

— العبرة — أنّ الدين أمر وطاعة، وأن المؤمن يتبع الرسول ﷺ حيثما وجّهه الله، لا يحكّم هواه ولا عاداته، وأن الله لا يضيع عمل عامل حتى لو نُسخ الحكم الذي عمل به.

العبرة

الاتجاه إلى القبلة طاعة لأمر الله لا لجهة بعينها؛ ولا يضيع الله عملًا صحيحًا عُمل به قبل نسخه.

المصدر: صحيح البخاري (كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان؛ حديث البراء بن عازب)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث ابن عمر وأنس في أهل قباء)؛ جامع الترمذي (تفسير سورة البقرة، حديث ابن عباس)؛ تفسير الطبري وابن كثير للآيات من سورة البقرة.

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح البخاري ومسلم؛ وخبر مسجد القبلتين وتحويل القبلة في صلاة الظهر مذكور في السير والطبقات ولا يخلو إسناده من ضعف.