Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

كيف فُرض الصيام؟ من عاشوراء إلى رمضان ومن الفدية إلى الصوم

النبي محمد ﷺ والصحابة

لم يُفرض صيام رمضان دفعة واحدة على الصورة التي نعرفها اليوم، بل جاء التشريع على مراحل تيسيرًا على الأمة، ثم استقر على الصورة التي نصوم عليها. وهذه القصة تجمع ما صحّ في ذلك من القرآن والسنة، دون أن تدخل في تفاصيل الأحاديث الضعيفة.

— صيام عاشوراء أول الأمر — قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه». رواه البخاري ومسلم.

وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قدم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. قال: «فأنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه. متفق عليه. وليس فيه أن الصيام بدأ من اليهود، بل كان ﷺ يصومه قبل ذلك، فزاد بعد معرفة خبر موسى عليه السلام تأكيدًا وأمرًا.

— نزول آية فرض الصيام — ثم نزلت آية الصيام في سورة البقرة في السنة الثانية للهجرة، في شعبان منها على ما ذكره أهل السير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.

ومعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ في تفسير السعدي: أن الصيام من أسباب التقوى، لأنه امتثال أمر الله واجتناب نواهيه. وقوله ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي أن هذه العبادة فُرضت على الأمم قبلنا، من غير أن يُنص على صورتها عندهم.

— الخيار بين الصوم والفدية — اختلف المفسرون في معنى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. فقال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: «لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يُفطر ويفتدي فعل، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها». رواه البخاري ومسلم. وكذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما: هي منسوخة. فكان في أول الأمر تخيير بين الصوم وبين الإفطار مع إطعام مسكين عن كل يوم، ثم أُلزم القادر بالصوم.

أما ابن عباس رضي الله عنه فروى عنه البخاري أنه قال: «ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا». فالجمع بين القولين أن الآية نُسخ حكمها في حق القادر وبقي في حق العاجز عجزًا مستمرًّا. وقد رُوي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه حديث في تدرج التشريع على ثلاث مراحل، لكن في إسناده انقطاع، فالأولى الاعتماد على حديث سلمة وابن عمر.

— فرض الصوم على القادر — ثم نزل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. فتحدّد الشهر وصار الصوم لازمًا على كل من شهده مقيمًا صحيحًا، ورُخّص للمريض والمسافر. وقد جعل الله مناسبة اختيار هذا الشهر نزول القرآن فيه.

— أحكام اللّيل: قصة قيس بن صرمة — وكان في أول الأمر أن الصائم إذا نام قبل أن يفطر لم يحل له الأكل حتى الليلة التالية. روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يُفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمسي، وإن قيس بن صِرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فنام، فجاءت امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك. فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.

وقد رُوي في سبب الآية أيضًا قصة عمر رضي الله عنه وأنه وقع على أهله بعد النوم، رواها أحمد وأبو داود وغيرهما، وفي إسنادها كلام، والمشهور عند المفسرين أنهما سببان أو أن الآية نزلت لما كان من الأمرين. وفي الآية نفسها ثناء من الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾.

— الخيط الأبيض والخيط الأسود — وهذه الحادثة من أجمل ما صحّ في فهم الصحابة للآية. روى البخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عمدتُ إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار». وفي رواية: «إن وسادك لعريض». وفي حديث سهل بن سعد في البخاري أن الله أنزل بعد ذلك لفظ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فبيّن المراد.

— مدة صيام النبي ﷺ — ذكر ابن كثير وابن حجر أن النبي ﷺ صام تسع رمضانات، لأن الفرض كان في السنة الثانية، وتوفي ﷺ في السنة الحادية عشرة قبل رمضان. وأول رمضان في الإسلام كان فيه غزوة بدر الكبرى في السابع عشر منه على المشهور.

— العبرة — أن الشريعة مبنية على التدرج والتيسير، وأن الله تولى بيان ما أشكل، وأن الصحابة سارعوا إلى السؤال حين التبس عليهم الأمر، فلا خير في كتمان الإشكال.

العبرة

جاء فرض الصيام على مراحل ميسَّرة؛ وكل إشكال سأل عنه الصحابة جاء بيانه من الله ورسوله.

المصدر: القرآن الكريم: سورة البقرة (آيات الصيام)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث عائشة وابن عباس في عاشوراء، حديث سلمة بن الأكوع في الفدية)؛ صحيح البخاري (حديث البراء في قيس بن صرمة، حديث عدي بن حاتم، حديث سهل بن سعد)؛ تفسير ابن كثير والسعدي.

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح البخاري ومسلم؛ وخبر عمر في سبب نزول آية الرفث في سنن أبي داود وغيره مروي بإسناد فيه كلام، وحديث معاذ في المراحل الثلاث منقطع.