Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

تدرّج فرض الزكاة: من الإنفاق في مكة إلى النصاب والعمال والقتال على منعها

النبي محمد ﷺ وأبو بكر الصديق رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الزكاة ركن من أركان الإسلام وقرينة الصلاة في القرآن في عشرات المواضع. ولها تاريخ تشريعي يبيّن كيف تدرّج الإسلام في بناء الأمة الاقتصادية، من حثّ على الإنفاق في مكة، إلى فريضة بنصاب ومقادير محدّدة في المدينة، إلى حرب خاضها أبو بكر رضي الله عنه لحماية هذا الركن. وهذه القصة تجمع ذلك كله.

— الإنفاق في العهد المكي — حثّ القرآن في مكة على الإنفاق على الفقراء، ووصف به المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، وقال في سورة الأنعام: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وكلتاهما مكيتان. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أصل الزكاة فُرض بمكة، وأن المقادير والأنصبة بُيّنت في المدينة في السنة الثانية للهجرة. وقيل بعد ذلك، والخلاف مشهور، ولا يترتب عليه حكم عملي.

— المدينة: الزكاة ومصارفها — نزلت في المدينة آيات صريحة تذكر الزكاة مع الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. وجاء في سورة التوبة تحديد المستحقين: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فحصرها في ثمانية أصناف، وجعلها فريضة من الله، لا يجوز أن يُصرف منها شيء لغير هؤلاء.

وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾. وفي هذا بيان أن الزكاة تؤخذ ولا تُترك لهوى الأغنياء، وأنها تطهّر المال والنفس. وذكر المفسرون كابن كثير والسعدي أن ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادعُ لهم، فكان النبي ﷺ يقول لمن يأتيه بصدقته: «اللهم صلّ عليهم»، كما في حديث ابن أبي أوفى في الصحيحين.

— الزكاة في وصية معاذ — روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقّ كرائم أموال الناس». متفق عليه. ففي الحديث أن الزكاة تُؤخذ من أغنياء كل بلد وتُصرف في فقراء البلد نفسه، وأن العامل لا يأخذ خيار أموالهم.

— كتاب أبي بكر لأنس بن مالك — كتب أبو بكر رضي الله عنه لأنس لما وجّهه إلى البحرين كتابًا في فرائض الصدقة، ذكر فيه: «هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله». ثم فصّل فيه مقادير زكاة الإبل والغنم، ومنه: «في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض»، وفي صدقة الغنم السائمة: «إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة»، وفي الفضة: «وفي الرِّقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومئة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها». ومنه: «لا يُجمع بين متفرق ولا يُفرَّق بين مجتمع خشية الصدقة». رواه البخاري. وهذا الكتاب أصل في معرفة الأنصبة المنصوصة.

وقال ﷺ: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». متفق عليه. وقال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيًّا العُشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر». رواه البخاري. فبيّن أن الزكاة تتفاوت بحسب مشقة تحصيل المال.

— الزكاة والأمانة: ابن اللتبية — بعث النبي ﷺ عمّالًا على الصدقات، وكان يحاسبهم. روى البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي أنه ﷺ استعمل رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أُهدي لي. فقام النبي ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه أو في بيت أمه فينظر أيُهدى له أم لا؟». ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه وقال: «اللهم هل بلّغت». ففي الحديث أن الهدية للعامل بسبب عمله من الرشوة والخيانة.

— قصة ثعلبة: لا تثبت — اشتهر على ألسنة الوعاظ أن آية ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ نزلت في رجل اسمه ثعلبة بن حاطب، سأل النبي ﷺ أن يدعو له بالمال، فكثرت غنمه حتى ضاقت بها المدينة، ثم منع الزكاة. وقد ضعّف أهل العلم هذه القصة، ومنهم ابن حجر والألباني، لأن إسنادها ضعيف جدًّا، واستنكر ابن حزم وغيره نسبتها إلى ثعلبة لأنه ذُكر فيمن شهد بدرًا. فلا يصح الاحتجاج بها، وإنما تُقرأ الآية على عمومها في المنافقين.

— أبو بكر يقاتل المانعين — بعد وفاة النبي ﷺ ارتدّت قبائل، وامتنعت أخرى عن أداء الزكاة إلى الخليفة. فعزم أبو بكر على قتالهم. قال أبو هريرة رضي الله عنه: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب، قال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله»؟ فقال أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها». قال عمر: «فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحق». رواه البخاري ومسلم.

وفي الحديث أن عمر رضي الله عنه رجع عن رأيه لما تبيّن له الدليل، وأن أبا بكر استدل بقوله ﷺ «إلا بحقه»، وأن الزكاة حق في المال لا تسقط بالإقرار بالشهادتين. وقد بحث الفقهاء فيمن منع الزكاة جاحدًا لفرضيتها أو بخلًا بها، وقالوا: من جحدها كفر، ومن منعها بخلًا قوتل حتى يؤديها.

— زكاة الفطر — وفُرضت مع رمضان زكاة الفطر، قال ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة». رواه البخاري ومسلم. وقال ابن عباس: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين». رواه أبو داود، وهو حديث حسن.

— فوائد وعبر — في تاريخ الزكاة أن الإسلام جعل في أموال الأغنياء حقًّا ثابتًا للفقراء بنص ثابت، وأن للدولة الإسلامية تحصيله وتوزيعه، وأن أول خليفة قاتل لأجل حفظه لما رأى أن في التهاون به بداية الانحلال. وأن الأمانة في جمعها شرط، وأن الزكاة طهارة للمعطي قبل أن تكون نفعًا للآخذ.

العبرة

الزكاة حق ثابت في المال، تطهّر صاحبها وتسدّ حاجة الفقير؛ وقد حرص أبو بكر على حفظها لأنها عمود من أعمدة الدين.

المصدر: القرآن الكريم: التوبة 60 و103، والبقرة، والمعارج، والأنعام؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث معاذ في اليمن، كتاب أبي بكر لأنس في الصدقات، حديث ابن اللتبية، حديث أبي هريرة في قتال المانعين، حديث ابن عمر في زكاة الفطر)؛ سنن أبي داود (حديث ابن عباس في زكاة الفطر)؛ تفسير ابن كثير.

الدرجة: من القرآن الكريم + صحيح البخاري ومسلم؛ وقصة ثعلبة بن حاطب ضعيفة جدًّا ولا يصح الاحتجاج بها (ذكرناها للتنبيه)؛ وحديث ابن عباس في زكاة الفطر حسن.