كانت العرب قبل الإسلام تحجّ البيت على صورة مشوبة بالشرك، تقف قريش في مزدلفة ولا تقف بعرفات وتسمّي نفسها الحُمس، ويطوف كثير من الناس بالبيت عراة، ويؤخرون الأشهر الحرم بالنسيء، ويلبّون بتلبية فيها شرك. فلما فُتحت مكة سنة ثمان للهجرة، بقيت هذه الأمور تحتاج إلى تطهير. وفي السنة التاسعة حجّ أبو بكر رضي الله عنه بالناس أميرًا، وأُعلنت في ذلك الموسم براءة الإسلام من الشرك وأهله. وهذه القصة تجمع ما في ذلك من القرآن والسنة، مع بيان خلاف العلماء في وقت فرض الحج.
— متى فُرض الحج؟ — قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وهذه الآية في سورة آل عمران. وقد اختلف العلماء في سنة فرض الحج: فقيل سنة ست، لأن قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ نزل في عام الحديبية، وهو قول أكثر العلماء كما نقل ابن كثير وابن حجر. وقيل سنة تسع، وقيل سنة عشر، وهو ما رجّحه ابن القيم في زاد المعاد، لقوله إن النبي ﷺ لم يؤخر الحج بعد فرضه. ومن حجة من قال سنة تسع أن آيات صدر سورة آل عمران نزلت في وفد نجران في تلك السنة، وفيها آية الحج. وهذا الاختلاف في زمن الفرض لا يمسّ أصل الوجوب، فالحج ركن من أركان الإسلام للمستطيع مرة واحدة في العمر.
— حج عتّاب بن أسيد — قال ابن إسحاق وغيره إن النبي ﷺ أمّر عتاب بن أسيد رضي الله عنه على مكة بعد الفتح، فحج بالمسلمين تلك السنة، وهي سنة ثمان، وبقي المشركون يحجون على مناسكهم. فلما كانت سنة تسع أراد النبي ﷺ أن يحج بالناس، لكنه كره أن يرى المشركين عراة يطوفون بالبيت، فبعث أبا بكر أميرًا على الحج.
— الأذان بالبراءة — روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان». قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة، وألا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وأصل ذلك في أول سورة التوبة: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. وهو إعلان للعهود: فمن كان له عهد إلى مدة أتمّ إلى مدته، ومن لم يكن له عهد أمهل أربعة أشهر.
واختلف السلف في تعيين يوم الحج الأكبر، ورجّح ابن كثير أنه يوم النحر. ومنع الله بعد العام المشركين من قربان المسجد الحرام فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا﴾.
— لماذا علي؟ — ورُوي أن النبي ﷺ لما أرسل أبا بكر بسورة براءة دعا عليًّا فقال: «لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي»، وهذا رواه الترمذي وأحمد من حديث أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي: حسن غريب. وفسّره بعض العلماء بأن العرب كانت لا تحلّ العهود ولا تعقدها إلا الرجل أو رجل من أهل بيته، فأراد النبي ﷺ أن يقطع عنهم حجة الاعتذار بأنهم لا يعرفون ذلك الأذان. ذكره ابن كثير وغيره. وليس في الخبر انتقاص من أبي بكر، فقد بقي أبو بكر أميرًا على الحج، ولم يعزله النبي ﷺ، وبقي علي مؤذنًا بالبراءة.
— ما رفعه الإسلام من أمور الجاهلية — أبطل الإسلام في الحج أمورًا كانت للجاهلية، منها:
الطواف عريانًا، كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: «اليوم يبدو بعضه أو كله، فما بدا منه فلا أُحلّه»، فنزل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. رواه مسلم عن ابن عباس.
ترك الوقوف بعرفة عند قريش، وكانوا يسمون الحُمس، فنزل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. روت عائشة رضي الله عنها أن قريشًا ومن دان دينها كانوا يقفون بالمزدلفة، فأمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها. رواه البخاري.
النسيء، وهو تأخير حرمة شهر إلى آخر، قال الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. وقد ذكر بعض أهل العلم أن حج أبي بكر وقع في ذي القعدة لأجل النسيء، وأن حجة الوداع وقعت في ذي الحجة الصحيح، فقال النبي ﷺ في خطبته: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض». رواه البخاري ومسلم. وهذا قول لبعضهم، وليس مجمعًا عليه.
— السعي بين الصفا والمروة — وأشكل على بعض الصحابة السعي بين الصفا والمروة لما كان عندهم من صنمين عليهما في الجاهلية. فسأل عروة بن الزبير خالته عائشة رضي الله عنها: «أرأيتِ قول الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما؟» فقالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت كما أولتها عليه كانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما. ثم بيّنت أن الأنصار كانوا يهلّون لمناة، وكانوا يتحرّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فنزلت الآية. قالت: «ولعمري ما أتمّ الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة». رواه البخاري ومسلم.
— العبرة — تهيّأت مكة بعد الفتح لعبادة التوحيد الخالصة، ولم يأمر النبي ﷺ بإنهاء شعائر الجاهلية في يوم وليلة، بل تدرج فأعلنها في موسم الحج حتى لا يبقى لأحد عذر، ثم حجّ هو في العام التالي حجة الوداع بعد أن طهّرها.
