حجّ النبي ﷺ حجة واحدة بعد الهجرة، هي حجة الوداع، في السنة العاشرة. وسميت بذلك لأنه ودّع فيها الناس، ولم يعش بعدها إلا نحو ثلاثة أشهر. وقد رُويت مناسكها في حديث جابر الطويل عند مسلم، وفي هذه القصة نقف على جانب آخر: خطبه ﷺ، ونزول آية إكمال الدين، والإشهاد على تبليغ الرسالة.
— النبي يُعلم الناس أنه يحج — قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: مكث رسول الله ﷺ تسع سنين لم يحج، ثم أذّن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله. رواه مسلم. وقال ﷺ لما رمى الجمرة: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه». رواه مسلم.
— الخطبة في بطن الوادي — نزل النبي ﷺ يوم عرفة بنمرة وقد ضُربت له قبة، فلما زالت الشمس أتى بطن الوادي فخطب الناس. ومما جاء في خطبته عند مسلم من حديث جابر: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله».
ثم أوصى بالنساء فقال: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف». وقال: «وقد تركتُ فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد». ثلاث مرات.
وبدأ بنفسه وأهله في وضع دم الجاهلية وربا الجاهلية، ولم يستثن أقرب الناس إليه: عمّه العباس وابن عمه. وهذا من أعظم ما يدل على العدل، فالقانون يبدأ بصاحب السلطة.
— خطبة يوم النحر — وخطب ﷺ يوم النحر، ففي حديث أبي بكرة رضي الله عنه في الصحيحين: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلّالًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلّغ الشاهدُ الغائب، فلعلّ بعض من يبلّغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه». ثم قال: «ألا هل بلّغت؟» قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد». وفي رواية ابن عمر عند البخاري أنه قال: «ويحكم أو ويلكم، انظروا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
وبيّن في هذه الخطبة أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، فأبطل بذلك النسيء الذي كان يغيّر ترتيب الأشهر.
— اليوم أكملت لكم دينكم — وفي يوم عرفة نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. روى البخاري ومسلم عن طارق بن شهاب أن رجلًا من اليهود قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات في يوم جمعة.
وفي رواية للترمذي أن ابن عباس سئل عن ذلك فقال: «نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة»، أي أن ذلك اليوم عيد للمسلمين مرتين. وقد فسّر ابن كثير الآية بأن هذه أكبر نعم الله على الأمة، إذ أكمل لها دينها فلا تحتاج إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيها. وقال السعدي: إكمال الدين يعني أنه شامل لكل ما يحتاجه الناس من أصول الدين وفروعه.
— الخبر الذي لا يثبت — اشتُهر أن أبا بكر رضي الله عنه بكى لما نزلت، فسُئل فقال إنه علم من الآية قرب وفاة النبي ﷺ، لأن بعد الكمال النقصان. وهذا ذكره بعض المفسرين وأهل السير، ولا يثبت بإسناد صحيح، فلا نجزم به. ولكن الذي ثبت أن النبي ﷺ فهم قرب أجله، وهو قوله: «لعلي لا أحجّ بعد حجتي هذه». وأنزل الله بعد ذلك سورة النصر، وفهم منها ابن عباس وعمر قرب الأجل، كما رواه البخاري.
— معنى الإشهاد — نظر العلماء في الإشهاد المتكرر وقالوا: هو تأكيد للحجة، فالرسول ﷺ ما كان في حاجة إلى شهادة الناس، ولكنه أقام الحجة على الأمة كلها، فصار كل من سمع الخطبة أو بلغه نصها شاهدًا ومشهودًا عليه. وفي إشهاده الله ما يطمئن به قلب المبلّغ أنه أدّى الأمانة.
— العبرة — فيها خلاصة الإسلام في وصية: حفظ الدم والمال والعرض، وإبطال الربا والثأر الجاهلي، ورعاية حق المرأة، والاعتصام بكتاب الله، وتبليغ الشاهد للغائب. فمن عمل بها حفظ على المجتمع أمنه وعدله.
