Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

يوم الفتح الأعظم: العفو والأنصار وخطبة الحرم

النبي محمد ﷺ والأنصار وأبو سفيان رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

فتح مكة أعظم أيام الإسلام الأولى، وفيه دخل النبي ﷺ البلد الذي أُخرج منه، وطهّر البيت من الأصنام، ودخل الناس في دين الله. وقد كُتب فيه كثيرًا، وهذه القصة تعتمد على رواية أبي هريرة رضي الله عنه الطويلة في صحيح مسلم، وما يقاربها في صحيح البخاري، وتقف عند مشهد الأنصار وخوفهم، ثم خطبة النبي ﷺ في الحرم.

— سبب الفتح — كان صلح الحديبية قد جعل القبائل بين حلفاء قريش وحلفاء النبي ﷺ، فدخلت بنو بكر في حلف قريش، وخزاعة في حلف النبي ﷺ. ثم أعانت قريش بني بكر على خزاعة، فنقضت العهد. فخرج عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة يستنصر النبي ﷺ، فقال: «نصرت يا عمرو بن سالم». وهذا مذكور في السيرة عند ابن إسحاق. وقد أرسلت قريش أبا سفيان إلى المدينة لتجديد العهد، فلم يظفر بشيء.

وخرج النبي ﷺ من المدينة في عشرة آلاف من المسلمين في العاشر من رمضان، ودخل مكة في العشرين منه على المشهور، وكتم وجهته حتى لا تعلم قريش، ونزل بمرّ الظهران، وأمر الجيش فأشعلوا النيران. وهناك رأى العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه الأمر، وأتى أبا سفيان بن حرب ومعه بديل بن ورقاء وحكيم بن حزام، وأسلم أبو سفيان. هذا على المشهور في كتب السيرة عند ابن إسحاق، والله أعلم بتفاصيل ترتيبه.

— رواية أبي هريرة عند مسلم — قال أبو هريرة رضي الله عنه: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدًا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، أي الذين لا سلاح معهم، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبة. فنظر فرآني فقال: «أبا هريرة؟» قلت: لبيك يا رسول الله. فقال: «اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاري». فأطافوا به.

ووبشت قريش أوباشًا لها وأتباعًا، فقالوا: نقدّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سُئلنا. فقال رسول الله ﷺ: «ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا». قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئًا.

قال العلماء: لا يدل هذا الأمر على الاستباحة العامة، بل على قتال من اعترض الجيش من أوباش قريش. وذكر أهل السير أن خالد بن الوليد قاتل في موضع فقُتل من المشركين نحو اثني عشر رجلًا، وقُتل من المسلمين رجلان. واختلف العلماء: هل فُتحت مكة عنوة أو صلحًا؟ فقال الجمهور إنها فُتحت عنوة مع الأمان لمن دخل الدار أو ألقى السلاح، وقال الشافعي رحمه الله إنها فُتحت صلحًا.

— الأمان العام — فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أُبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن». وفي رواية أبي داود أن العباس قال: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا. فقال ﷺ: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».

— خوف الأنصار — فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي. فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار». قالوا: لبيك يا رسول الله. قال: «قلتم: أما الرجل فأخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته؟» قالوا: قد كان ذاك. قال: «كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم».

فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنّ بالله وبرسوله. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم». وفي الحديث دلالة على أنه كان يعلم ما يدور بين الأنصار عن طريق الوحي، وعلى صدق الأنصار، فإنهم خافوا من أن يترك رسول الله ﷺ المدينة، فأطمأنهم بأنه لا يفارقهم، ولما أن رجع إلى المدينة بعد الفتح رجع إليهم.

— الطواف وكسر الصنم — ثم أقبل ﷺ إلى الحجر فاستلمه، وطاف بالبيت، وفي يده قوس يطعن بها الأصنام، يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. ثم أمر بالآلهة التي في الكعبة فأُخرجت، وروى البخاري عن ابن عباس أنهم أخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: «قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بها قط». رواه البخاري.

— خطبة الحرم — وخطب ﷺ يوم الفتح، فقال فيما رواه أبو شريح العدوي رضي الله عنه في الصحيحين: «إن مكة حرّمها الله ولم يحرّمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلّغ الشاهد الغائب». وقال ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». رواه البخاري ومسلم.

— العفو العام: ما يثبت وما لا يثبت — اشتُهر في السيرة أن النبي ﷺ جمع قريشًا عند الكعبة وقال: «يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وهذا الخبر رواه ابن إسحاق والبيهقي وغيرهما بأسانيد فيها ضعف أو إرسال، والمحققون على أن معناه مروي عن سيرته ﷺ، لكن لفظه غير ثابت في الصحيح، فمن ذكره فليقل إنه روي. والثابت في الصحيح هو الأمان العام الذي ذكره أبو هريرة، وإعلان حرمة مكة.

ويضاف إلى ذلك أن النبي ﷺ استثنى نفرًا قليلين أُمر بقتلهم ولو وُجدوا متعلقين بأستار الكعبة، وذلك لجرائمهم، ومنهم من أسلم بعد ذلك فقُبل إسلامه كعكرمة بن أبي جهل، ومنهم من قُتل. وهذا مذكور في السير، وفي سنن أبي داود قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما جاء به عثمان رضي الله عنه فبايعه النبي ﷺ بعد تردد.

— العبرة — الفتح كان نصرًا بلا انتقام، وعفوًا من قادر. وخاف الأنصار أن يفقدوا نبيهم، فقال ﷺ: «المحيا محياكم والممات مماتكم».

العبرة

جمع فتح مكة بين قوة الحق وسعة العفو، وبقي النبي ﷺ وفيًّا للأنصار الذين آووه ونصروه.

المصدر: صحيح مسلم (كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة؛ رواية أبي هريرة)؛ صحيح البخاري (كتاب المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؛ كتاب العلم، حديث أبي شريح)؛ سيرة ابن هشام (رواية ابن إسحاق)؛ سنن أبي داود؛ شرح النووي على مسلم.

الدرجة: رواية أبي هريرة وخطبة أبي شريح وحديث ابن عباس في الصور صحيحة في الصحيحين؛ وقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء ثابت في السير بإسناد ضعيف أو مرسل؛ وتفاصيل مرّ الظهران من رواية ابن إسحاق.