لم يقتصر تطهير جزيرة العرب من الأصنام على ما جرى يوم فتح مكة عند الكعبة. فقد كان للعرب بيوت يعظمونها ويحجّون إليها، لها سدنة وأوقاف، فبعث النبي ﷺ السرايا لهدمها. وفي هذه القصة نتتبع ما صحّ في ذلك وما ورد في كتب السيرة، مع التنبيه على الدرجة.
— الأصنام في القرآن — ذكر القرآن أشهر أصنام العرب في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾، ثم قال بعدها: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾. وفي سورة نوح ذُكرت أصنام قوم نوح: ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري إن هذه الأصنام صارت إلى العرب بعد ذلك.
— الأصنام حول الكعبة يوم الفتح — روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون نُصُبًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾. وفي ذلك دلالة على أن المراد بالزهوق: الزوال، لا بقاء الباطل ولو علا.
— ذو الخلصة: الكعبة اليمانية — روى البخاري عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟». وكان بيتًا في خثعم يسمى الكعبة اليمانية. قال: فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري، وقال: «اللهم ثبّته، واجعله هاديًا مهديًّا». فانطلق إليها فكسرها وحرّقها، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ يبشره. فقال رسول جرير: والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب. فبارك النبي ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
وكان البيت لخثعم وبجيلة ومن حولهم، وفيه صنم يقال له الخلصة، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة». وهذا خبر عن انحراف يقع في آخر الزمان.
— اللات في الطائف — واللات صنم ثقيف في الطائف. جاء وفد ثقيف في رمضان سنة تسع وأسلموا، وطلبوا أن يتركها النبي ﷺ ثلاث سنين، فأبى، وطلبوا شهرًا، فأبى، ثم أرسل معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدمها. هذا الخبر في كتب السيرة عن ابن إسحاق، وليس في الصحيحين. فلما دخل المغيرة ليهدمها قال لأصحابه: «لأضحكنكم منهم». فضرب بالفأس، وبكت النساء عليها، ثم أخذ حليّها ومالها.
— العزى — والعزى كانت لقريش وكنانة، في وادي نخلة. بعث إليها النبي ﷺ خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد الفتح. وذكر ابن إسحاق أن خالدًا قطع الأشجار وهدم البيت، وأنه رجع فأخبر النبي ﷺ فقال: «هل رأيت شيئًا؟» قال: لا. قال: «فإنك لم تهدمها، فارجع إلى العزى». فرجع غضبان ومعه السيف، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس، فضربها خالد فجزلها اثنتين. وأخبر النبي ﷺ فقال: «تلك العزى، وقد أيست أن تُعبد في بلادكم أبدًا». هذه الرواية رواها النسائي في الكبرى وأبو يعلى، وقد ضعّفها بعض أهل العلم وحسّنها آخرون، والصحيح أن أصل الخبر في أن خالدًا بُعث لهدمها ثابت في السيرة، وأما قصة المرأة فتروى ولا يُجزم بها.
— مناة وغيرها — أما مناة فكانت صنم الأوس والخزرج وغسان، على ساحل البحر عند المشلل بقديد. ويروي ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعث سعد بن زيد الأشهلي لهدمها سنة ثمان، فهدمها. وفي الصحيح أن الأنصار كانوا يهلّون لمناة، وكانوا يتحرجون من السعي بين الصفا والمروة بعد الإسلام، كما في حديث عائشة. وفي السير أن عليًّا رضي الله عنه بعث إلى الفُلْس صنم طيئ فهدمه، وأن الطفيل بن عمرو الدوسي حرق ذا الكفين صنم عمرو بن حممة. وهذه تفاصيل في كتب السيرة مشهورة، لكنها دون الصحيح.
— القاعدة الشرعية: لا تدع تمثالًا إلا طمسته — روى مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته». فهذا الحديث يدل على أن إزالة مظاهر الشرك من وصايا النبي ﷺ المستمرة، وأن تعظيم القبور الذي يُفضي إلى الشرك مما يُنكر.
— لماذا هدمها؟ — لم يكن هدم بيوت الأصنام تعصبًا، ولا نهبًا للأموال، بل كان يعالج مظاهر الشرك التي ما زالت تشدّ القلوب عن التوحيد. فهذه الأصنام حجارة لا تنفع ولا تضر، وقد جعلتها العرب شريكة لله في التعظيم. ولهذا كان هدمها دعوة عملية، فمن رأى الصنم يتحطم ولا يدفع عن نفسه، علم أن العبادة لا تصح إلا لله.
— العبرة — أقام النبي ﷺ دعوته على الحجة والبيان قبل القوة، فلما استقر الأمر هدم رموز الشرك بيده وأيدي أصحابه. وكان أثر ذلك أن دخل الناس في دين الله أفواجًا، كما قال تعالى في سورة النصر.
