الأذان من أظهر شعائر الإسلام، يُرفع في كل بلد خمس مرات في اليوم، وقد بُدئ به في المدينة المنورة بعد الهجرة. وفي هذه القصة نتتبع مراحل شرعيته، وما ثبت في صيغته، ولماذا اختلفت صيغ الأذان عند الأئمة، مع الابتعاد عما لا يصح من الأخبار.
— قبل الأذان: الناس يتحيّنون الصلاة — روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة، ليس يُنادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: يا بلال، قم فناد بالصلاة».
ومعنى يتحينون: يقدّرون حينها ويجتمعون إليها بالظن. وكان لا بد من علامة تجمع الناس. وقد فكّروا في آلات الكتابيين فلم يرضَ المسلمون التشبه بهم، فكانت الإجابة نداء بشريًّا بكلمات التوحيد.
— رؤيا عبد الله بن زيد — وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يُعمل ليُضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمتَ الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
فلما أصبحتُ أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذّن به، فإنه أندى صوتًا منك». فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذّن به. قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجرّ رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى. فقال رسول الله ﷺ: «فلله الحمد». وقد حسّن الترمذي هذا الحديث وصححه، وصححه ابن خزيمة وغيره.
— معنى «أندى صوتًا» — قال العلماء: الأندى أي الأرفع والأحسن صوتًا وأبعد مدى. وفيه دليل على أن اختيار المؤذن يكون بالصوت الحسن الجهوري، وأن صاحب الرؤيا ليس بالضرورة هو المؤذن. ورؤيا غير الأنبياء لا تكون مصدرًا للتشريع بذاتها، وإنما صار الأذان شرعًا بإقرار النبي ﷺ لها. وفي قول عمر: لقد رأيت مثل ما رأى، ما يدل على أن الأمر كان معروفًا عند أكثر من صحابي.
— هل الأذان شُرع في الإسراء؟ — رُوي في بعض الكتب أن جبريل أذّن للنبي ﷺ ليلة الإسراء، وأن الأذان نزل به الوحي لا الرؤيا. وهذا رواه البزار وغيره بإسناد ضعيف، وقد ضعّفه ابن حجر وغيره. والصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أن مبدأ الأذان كان في المدينة بعد الهجرة، في السنة الأولى أو الثانية، والله أعلم.
— الأذان بالتثنية وأبو محذورة — ومن الروايات الصحيحة ما رواه مسلم عن أبي محذورة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ علّمه الأذان تسع عشرة كلمة، وفي رواية أبي داود والترمذي أن الإقامة سبع عشرة كلمة، وذكر في الأذان الترجيع: أي يخفض صوته بالشهادتين ثم يرفعه بهما. وسبب تعليمه، كما ذكر أصحاب السنن كالنسائي وابن ماجه وابن حبان بروايات حسّنها بعض أهل العلم، أن أبا محذورة كان من فتيان مكة، فسمع المؤذنين بعد حنين فجعل يحاكيهم ويستهزئ بهم، فأمر به النبي ﷺ فأُحضر، فأذّن، فأعجبه صوته، فعلّمه الأذان ومسح على ناصيته وصدره ودعا له بالبركة. ثم جعله مؤذّن مكة، وبقي هو وأبناؤه مؤذنين بعده. وهذا يبيّن أن الاستهزاء كان طريق هداية لهذا الفتى، ببركة نبوية.
— وكيف نجمع بين أذان بلال وأذان أبي محذورة؟ — اختلف الأئمة في الأخذ: فأخذ الشافعي ومالك بأذان أبي محذورة في الترجيع، مع اختلاف في عدد التكبير في أوله، وأخذ الحنفية وأحمد بأذان بلال أو عبد الله بن زيد بدون ترجيع. وقال جماعة من العلماء إن كل ذلك ثابت، وإنه من اختلاف التنوع، فالمسلم يؤذّن بأي الصيغ الثابتة. وقد أمر النبي ﷺ بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا قوله «قد قامت الصلاة»، كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه.
— «الصلاة خير من النوم» — وفي أذان الفجر زيادة «الصلاة خير من النوم» مرتين. قال أنس رضي الله عنه: «من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حيّ على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم». رواه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي، وصححه جماعة من الأئمة. وجاء في حديث أبي محذورة عند أبي داود والنسائي أن النبي ﷺ علّمه إياها في أذان الصبح.
— فضل الأذان — قال ﷺ: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». رواه البخاري ومسلم. وقال: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة». رواه مسلم عن معاوية. وقال: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». رواه البخاري من حديث أبي سعيد. وقال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول». متفق عليه.
— المؤذنون الأوائل — اشتهر في الإسلام من المؤذنين: بلال بن رباح رضي الله عنه، وكان أول مؤذن، وعبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه الأعمى الذي كان يؤذن للفجر. ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». وفيه إشارة إلى أن للفجر أذانين، أولهما للتنبيه وثانيهما لدخول الوقت. وأبو محذورة في مكة.
— العبرة — تحوّل الأمر من تفكير في بوق وناقوس، إلى كلمات التوحيد التي تهز المدن كل يوم. وكل جملة في الأذان عقيدة وعمل: تكبير، وتوحيد، وشهادة بالرسالة، ودعوة إلى الصلاة والفلاح. وقد جاء أصلها في مشورة بين الصحابة، فأقرّها الوحي وجعلها عبادة تُتلى إلى اليوم.
