نزل القرآن الكريم على النبي ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة، ولم ينزل دفعة واحدة. وفي هذه القصة نتتبع كيف نزل، وما الحكمة في ذلك، وما صح في أول ما نزل وآخره، ولماذا كان جبريل عليه السلام يعرض القرآن على النبي ﷺ في رمضان من كل عام.
— إنزاله في ليلة القدر — قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾. فهذه الآيات تدل على بدء الإنزال في ليلة من رمضان، وهي ليلة القدر.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في أثر رواه الحاكم والنسائي والبيهقي: «أُنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم أُنزل بعد ذلك في عشرين سنة». وقد حكم له بعض أهل العلم بالصحة، وله حكم المرفوع عند بعضهم لأنه من أمور الغيب التي لا تقال بالرأي. وجمع بعض المفسرين بين هذا الأثر وبين نزول الوحي بغار حراء بأن نزوله الأول إلى بيت العزة في السماء الدنيا كان في ليلة القدر، وأن نزوله على قلب النبي ﷺ مفرقًا بدأ بعد ذلك في رمضان أيضًا حين جاءه جبريل بغار حراء. وفي المسألة خلاف بين العلماء في تفسير الآيات لا يؤثر في الاعتقاد.
— بدء الوحي — وفي حديث عائشة رضي الله عنها المتفق عليه أن أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ... وكان أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. ثم فتر الوحي مدة، وفي حديث جابر في الصحيحين أنه ﷺ كان يمشي فسمع صوتًا من السماء فرفع بصره فإذا الملك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُئثتُ منه فرقًا، فرجعتُ فقلت: زمّلوني، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
— الحكمة من التفريق — احتجّ المشركون على القرآن فقالوا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. فأجابهم الله بقوله: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. فالتثبيت لقلب النبي ﷺ حكمة أولى. وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾، فالحكمة الثانية أن يُقرأ على الناس مهلًا فيحفظوه ويفهموه.
وقال العلماء، كابن كثير والسعدي، في حكمة التنجيم: تيسير حفظه وفهمه، ومعالجة الوقائع بما ينزل في وقتها، وتدرج الأحكام، كتحريم الخمر والصيام، وإجابة أسئلة الناس عند ورودها. ولهذا كثر في القرآن سبب النزول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾.
— مدة النزول — قال ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري: «بُعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه، ثم أُمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة». فمجموع مدة الوحي ثلاث وعشرون سنة على هذا العدّ، وقد رُويت أعداد أخرى في مدة مقامه بمكة، والمشهور ثلاث عشرة سنة، فيكون مجموع مدة الوحي ثلاثًا وعشرين.
— مكي ومدني — قسّم العلماء السور إلى مكية ومدنية. فالمكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، ولو في مكة. وغلب على المكي الحديث عن التوحيد والبعث وقصص الأنبياء وبناء العقيدة، وعلى المدني الأحكام والتشريعات والحديث عن المنافقين وأهل الكتاب.
— جبريل يعارضه كل رمضان — في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن». وفي حديث فاطمة رضي الله عنها قال ﷺ: «إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي». رواه البخاري ومسلم. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة: «كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه».
وهذا العرض الأخير يسميه العلماء العرضة الأخيرة، وهي التي استقر عليها نص القرآن، ويرى بعض أهل العلم أن زيد بن ثابت رضي الله عنه شهدها.
— ما آخر ما نزل؟ — اختلفت الروايات الصحيحة في آخر ما نزل، لأن كل صحابي أخبر بما علم. روى البخاري عن ابن عباس: «آخر آية نزلت آية الربا». وعن البراء بن عازب: «آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، وآخر سورة نزلت براءة». وروى النسائي والبيهقي عن ابن عباس: «آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾». وجمع العلماء بأن كل واحد قال بحسب علمه، وأن آية الربا قريبة من آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ وقد تكون من سياق واحد، وأن ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت في حجة الوداع وهي آخر ما نزل من الأحكام، قاله بعض العلماء. وقال بعض العلماء إن كل راوٍ أخبر بآخر ما علمه.
— حفظ الله لكتابه — وعد الله بحفظ هذا الكتاب: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وبدأ ذلك الحفظ في الصدر منذ أول نزول، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، وكان النبي ﷺ يحرك لسانه بالوحي مسارعة إلى حفظه، فنهاه الله وطمأنه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. روى ذلك البخاري ومسلم عن ابن عباس.
— العبرة — أن هذا القرآن نزل برفق وتدرج، وأن حفظه ووصوله إلينا بالتواتر من أوثق ما عرفه التاريخ. وأن للمسلم مع القرآن موعدًا في رمضان، كما كان لجبريل مع النبي ﷺ.
