Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

كُتّاب الوحي والعسب واللخاف: كيف كُتب القرآن في حياة النبي ﷺ

زيد بن ثابت وكتّاب الوحي رضي الله عنهم

يظن بعض الناس أن القرآن لم يُكتب إلا بعد وفاة النبي ﷺ، والواقع أن كتابته بدأت مع نزوله. وجمع القرآن في حياة النبي ﷺ جاء من ثلاثة وجوه: الحفظ في الصدور، والكتابة في الرقاع، وعرضه على جبريل عليه السلام. وفي هذه القصة نذكر ما صح من ذلك، مما يمهد لجمع أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، دون تكرار تفاصيلهما.

— القلم في القرآن — أقسم الله بالقلم في أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، وقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. وفي ذلك إشارة إلى مكانة الكتابة منذ البداية. وبعد الهجرة صارت الكتابة جزءًا من بناء الدولة، حتى جعل النبي ﷺ فداء بعض أسرى بدر من لا مال له أن يعلّم عشرة من صبيان المدينة الكتابة، كما رواه أحمد وغيره بإسناد حسن.

— كتّاب الوحي — كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي دعا بعض من يكتب فأملى عليه. وقد ذكر أهل السير والحديث أسماء كثيرة منهم: الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وأُبيّ بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح قبل ردّته ثم عودته، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، وثابت بن قيس، وغيرهم. وذكر أهل التراجم عددًا كبيرًا منهم. وكان أبي بن كعب أول من كتب له بالمدينة، كما يذكر أهل السير، وكان زيد بن ثابت أكثرهم ملازمة، لأنه كتب الوحي والرسائل.

وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا فجاء بكتف فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وروى البخاري عن زيد نفسه أن النبي ﷺ أملى عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، فقال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترضّ فخذي، ثم سُرّي عنه فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وفي ذلك دليل على أن الوحي كان يُكتب عند نزوله، وأن الاستثناء نزل وزيد ما زال عنده.

— مواد الكتابة — لم تكن الورق متوفرة، فكتب الصحابة على ما وجدوه. وذكر زيد بن ثابت في حديث جمع أبي بكر عند البخاري قوله: «فتتبّعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال». فالعُسُب جمع عسيب، وهو جريد النخل الذي يُنزع منه الخوص، واللِّخاف حجارة بيضاء رقاق، وذكر العلماء أيضًا الرقاع، وهي قطع الجلد أو الورق، والأكتاف أي عظام الكتف، والأقتاب، وهي الخشب الذي يوضع على ظهر البعير. وكل ذلك مذكور في كتب علوم القرآن، وبعضه ثابت في الأحاديث.

— النبي ﷺ يتتبع الكتابة — وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان يتعاهد القرآن مع أصحابه، يسمعهم ويأمرهم بالحفظ. فقد قال: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب». رواه البخاري ومسلم. وعن أنس قال: جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة، كلهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. رواه البخاري. وقد قال العلماء إن المراد بالجمع هنا إما حفظ القرآن كاملًا أو كتابته كاملًا، وإن غيرهم كذلك حفظ من القرآن ما حفظ، لكن هؤلاء اشتهروا. وقد ذكر ابن حجر أن غيرهم من الصحابة حفظوا القرآن أيضًا، كالخلفاء الراشدين وعبد الله بن مسعود وغيرهم.

وكان ﷺ يأمر بقراءة القرآن في الصلاة وخارجها، وبعث إلى القبائل معلمين. وفي حادثة بئر معونة بعث النبي ﷺ سبعين من القراء قتلوا غدرًا، كما رواه البخاري ومسلم، وفيها نزل قرآن نُسخت تلاوته. وفي ذلك دلالة على كثرة حفظة القرآن بين الصحابة.

— ترتيب الآيات من النبي ﷺ — وروى أبو داود والترمذي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا». قال الترمذي: حديث حسن. وفي ذلك دليل على أن ترتيب الآيات في السور توقيفي من النبي ﷺ، وهو ما أجمع عليه العلماء. أما ترتيب السور بعضها بعد بعض، فقد قال جماعة إنه توقيفي كذلك، وقال آخرون إن بعضه باجتهاد الصحابة، واختلفوا في ذلك دون تأثير على النص.

— الصحف المكتوبة كانت متفرقة — ويقرر العلماء أن القرآن كان مكتوبًا كله في عهد النبي ﷺ لكنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد. وقال الخطابي رحمه الله: إنما لم يجمع النبي ﷺ القرآن في مصحف واحد لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، فلما انقضى نزوله بوفاته ﷺ ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاءً بوعده الصادق بحفظه على هذه الأمة. ونقله ابن حجر في الفتح.

وقال الحارث المحاسبي: كتابة القرآن لم تكن محدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، لكنه كان مفرّقًا في الرقاع والأكتاف والعُسُب، فإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعًا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشرًا فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء. ذكره السيوطي في الإتقان.

— النهي عن كتابة غير القرآن — وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه». رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري. ويرى العلماء أن هذا النهي كان في بداية الأمر خشية أن يختلط بالقرآن غيره، فكان منهجه ﷺ في حفظ الوحي أن يحرس الكتاب خاصة. ثم أُذن بعد ذلك في كتابة غيره، كما سنذكر في قصة تدوين السنة.

— العبرة — أن القرآن الذي بين أيدينا كُتب في حياة النبي ﷺ وحُفظ في الصدور، وعُرض على جبريل، وأن ما فعله أبو بكر وعثمان رضي الله عنهما كان جمعًا لما هو مكتوب ومحفوظ، لا استحداثًا. وهذا أقوى ضمان لدقة النقل.

العبرة

كُتب القرآن في حياة النبي ﷺ وحُفظ في الصدور؛ وما جاء بعده من جمع كان صيانة لما ثبت لا إنشاءً لشيء جديد.

المصدر: القرآن الكريم: العلق والقلم والنساء 95؛ صحيح البخاري (كتاب فضائل القرآن، باب كاتب النبي ﷺ، وباب القراء من أصحاب النبي ﷺ، وحديث جمع القرآن)؛ صحيح مسلم (حديث أبي سعيد في النهي عن كتابة غير القرآن)؛ سنن أبي داود والترمذي (حديث عثمان في ترتيب الآيات)؛ فتح الباري؛ الإتقان للسيوطي.

الدرجة: ثابت في الصحيحين والسنن (حديث زيد، وحديث أنس في جمع القرآن، وحديث عثمان حسّنه الترمذي)؛ وعدد كتّاب الوحي وأسماؤهم مأخوذة من كتب السيرة والطبقات وتختلف فيها الأعداد؛ وكلام الخطابي والمحاسبي من أقوال أهل العلم لا من الأحاديث.