Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

من الصحيفة الصادقة إلى الصحاح: كيف دُوّنت السنة النبوية

عبد الله بن عمرو وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز والأئمة

السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن، وقد وصلت إلينا بجهد علمي عظيم قام به الصحابة والتابعون وأتباعهم. وتدوين السنة لم يكن في عصر واحد، بل مرّ بمراحل: كتابة في حياة النبي ﷺ، وحفظ في الصدور، ثم جمع رسمي في القرن الثاني، ثم تصنيف الصحاح في الثالث. وتتناول هذه القصة المراحل بشكل عام، دون تفصيل سير الأئمة التي سبق ذكرها في قصص أخرى.

— النهي ثم الإذن — روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عني ولا حرج». وهذا النهي كان خشية اختلاط الحديث بالقرآن في أول عهد الوحي. ثم جاء ما يدل على الإذن.

ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه في خطبة الفتح أن النبي ﷺ قال: «لا يُختلى خلاها...»، فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال: «اكتبوا لأبي شاه». قال الوليد بن مسلم: قلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا لأبي شاه؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ.

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب». رواه البخاري. وهذا يدل على أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما كان يكتب في عهد النبي ﷺ.

— صحيفة عبد الله بن عمرو — روى أبو داود وأحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق». وذكر أهل الحديث أن عبد الله سمّى صحيفته «الصادقة»، ومما يُروى عنه أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي الاحتجاج بها خلاف مشهور بين المحدثين.

— صحيفة علي وغيرها — وفي البخاري أن عليًّا رضي الله عنه سئل: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ فقال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة». قلت: وما في الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الأسير، وألا يُقتل مسلم بكافر». وتدل على أن بعض الصحابة دوّنوا شيئًا من الأحكام.

وكتب النبي ﷺ لأهل اليمن كتابًا في الفرائض والزكاة والديات يعرف بكتاب عمرو بن حزم، وكتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر لأنس. ومن الصحف المشهورة صحيفة همّام بن منبه عن أبي هريرة، وفيها نحو مئة وأربعين حديثًا، وقد وصلت إلينا كاملة ومطبوعة، وهي مدرجة في مسند أحمد، وأكثر ما فيها في الصحيحين.

— الجمع بين النهي والإذن — جمع العلماء كالخطابي والنووي وابن حجر بين النهي والإذن بوجوه: أن النهي كان خاصًّا بوقت نزول القرآن مخافة اختلاطه، ثم نسخ بالإذن لما أُمن اللبس؛ أو أن النهي لمن يُخشى عليه الاعتماد على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أُمن عليه؛ أو أن النهي عن كتابة القرآن مع غيره في صحيفة واحدة. وكلها وجوه معتبرة، وقد استقر الأمر بعد ذلك على جواز الكتابة بإجماع الأمة.

— الصحابة بين الحفظ والخوف من الخطأ — واشتهر عن بعض الصحابة التحرّج من الإكثار من الحديث، خشية الكذب على النبي ﷺ. وقد قال النبي ﷺ: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». متفق عليه. وتُروى عن عمر رضي الله عنه أنه أراد أن يكتب السنن ثم استخار الله شهرًا ثم عدل عن ذلك خشية أن تُلتبس بكتاب الله، رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم بإسناد فيه انقطاع، فلا نجزم به.

وحثّ النبي ﷺ على التبليغ، فقال: «نضّر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلّغه كما سمعه، فرُبّ مبلَّغ أوعى من سامع». رواه الترمذي وصححه، وقال: «ليبلّغ الشاهد الغائب». متفق عليه.

— عمر بن عبد العزيز والجمع الرسمي — جاء في صحيح البخاري تعليقًا أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب إلى أبي بكر بن حزم، أمير المدينة وقاضيها: «انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا يُقبل إلا حديث النبي ﷺ، وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا». وكان ذلك في أول المئة الثانية للهجرة. وذُكر أن ابن شهاب الزهري كتب لعمر دفاتر، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا، رواه ابن عبد البر عن الزهري. ولهذا يُنسب إلى الزهري أنه من أوائل من دوّن الحديث بأمر السلطان.

— التصنيف: من الموطأ إلى الصحاح — بدأ التصنيف في أوائل القرن الثاني فجمع ابن جريج ومعمر وغيرهم، ثم ظهر موطأ الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ)، وهو من أقدم ما وصل إلينا من الجوامع المرتبة على الأبواب الفقهية. ثم جاءت المسانيد، وأشهرها مسند الإمام أحمد (ت 241هـ)، ورتّبت فيها الأحاديث بحسب الصحابي.

وفي القرن الثالث بلغ التصنيف قمته، فكتب أصحاب الصحاح والسنن: صحيح البخاري (ت 256هـ) وصحيح مسلم (ت 261هـ)، وسنن ابن ماجه (ت 273هـ)، وسنن أبي داود (ت 275هـ)، وجامع الترمذي (ت 279هـ)، وسنن النسائي (ت 303هـ). وقد نقل أصحاب التراجم أن البخاري جمع صحيحه من نحو ست مئة ألف حديث، وأن مسلمًا انتخب كتابه من نحو ثلاث مئة ألف، وهذه الأعداد منقولة عنهما ولا يعني العدد الأحاديث بأسانيدها المتكررة.

— الإسناد: ما يميز هذه الأمة — قال محمد بن سيرين: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم». رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وقال عبد الله بن المبارك: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء». رواه مسلم أيضًا. فنشأ علم الجرح والتعديل، وعلم الرجال، وتتبع الأئمة طرق الحديث، وبيّنوا صحيحه من ضعيفه.

— العبرة — أن السنة لم تأتِ إلينا بالصدفة، بل حُفظت بكتابة بدأت في عهد النبي ﷺ، وبحفظ حفّاظ، وبتحقيق نقاد، حتى ميّز العلماء الصحيح من الضعيف والموضوع. ومن واجب كل مسلم أن يتحقق من صحة ما ينقله عن النبي ﷺ.

العبرة

وصلت السنة إلينا بجهد الصحابة وأئمة الحديث في الكتابة والحفظ والتحقيق، والإسناد من خصائص هذه الأمة.

المصدر: صحيح مسلم (النهي عن الكتابة، ومقدمة الصحيح بقول ابن سيرين وابن المبارك)؛ صحيح البخاري (كتاب العلم: كتابة العلم؛ حديث أبي شاه؛ حديث علي في الصحيفة؛ تعليق عمر بن عبد العزيز)؛ سنن أبي داود ومسند أحمد (حديث عبد الله بن عمرو)؛ جامع الترمذي؛ جامع بيان العلم لابن عبد البر؛ فتح الباري.

الدرجة: الأحاديث في الصحيحين والسنن بدرجتها؛ وأثر عمر بن عبد العزيز معلّق في البخاري؛ وخبر استخارة عمر في كتابة السنن منقطع؛ وأعداد ما انتقاه البخاري ومسلم منقولة عن أصحاب التراجم.