للمسجد الأقصى في الإسلام منزلة عظيمة: فهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الذين تُشدّ إليهم الرحال، ومسرى النبي ﷺ. وهذه القصة تقف عند ما ثبت في تأسيسه، وعند عمارة سليمان عليه السلام، ثم تتبع ما كان من فتح بيت المقدس في خلافة عمر رضي الله عنه، مع التنبيه على الدرجات.
— ذكره في القرآن — قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. فسمّاه الله بالمسجد الأقصى، أي الأبعد، وأخبر أنه بارك حوله. قال الطبري في تفسيره: بُورك حوله بالأنهار والثمار، وبأنه مقام الأنبياء ومنبتهم.
— أول مسجدين وُضعا في الأرض — سأل أبو ذر رضي الله عنه النبي ﷺ: أيّ مسجد وُضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أيّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة». ثم قال: «ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصلِّ، فإن الفضل فيه». رواه البخاري ومسلم.
وقد أُشكل على بعض أهل العلم هذا الحديث، لأن الزمن بين إبراهيم وسليمان عليهما السلام أطول من أربعين سنة بكثير. وأجاب العلماء كابن الجوزي وابن حجر وغيرهم بأن الحديث لا يقول إن سليمان عليه السلام أول من بنى الأقصى، بل إن أول وضعه للعبادة كان بعد أربعين سنة من وضع الكعبة، وأن سليمان جدّد بناءه، فلا تعارض. وهو معنى يُحمل عليه الحديث، والله أعلم بتحديد من أسسه ابتداءً، ولم يثبت خبر صحيح بتسميته.
— عمارة سليمان عليه السلام — ذكر القرآن ما سخّره الله لسليمان من الجن يعملون له: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾. والمحاريب، عند المفسرين، المساجد والأبنية العالية. وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثًا: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه». فقال النبي ﷺ: «أما اثنتان فقد أُعطيهما، وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة». رواه النسائي وابن ماجه وأحمد، وصححه جماعة من المحدثين.
أما ما يرويه بعض المفسرين من تفاصيل كثيرة عن مدة بنائه وأن سليمان مات والجن يعملون فيه، فمن أخبار بني إسرائيل التي لا يصح فيها شيء عن المعصوم، والقرآن إنما ذكر أن سليمان مات متكئًا على عصاه والجن لا تعلم، دون أن يحدد العمل الذي كانوا فيه.
— الأقصى في حياة النبي ﷺ — كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس في مكة وبعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، ثم حُوّلت القبلة. وفي ليلة الإسراء صلى النبي ﷺ بالأنبياء في المسجد الأقصى إمامًا، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي... فحانت الصلاة فأممتهم». وقال ﷺ: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد الأقصى». متفق عليه.
وفي فضل الصلاة فيه جاءت أحاديث كثيرة في أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة أو خمسين ألف صلاة، وهي لا تثبت، وقد ضعّفها جماعة من المحدثين. والثابت فضل الصلاة في مسجد النبي ﷺ بألف صلاة، وفي المسجد الحرام بمئة ألف، كما سيأتي. ولا يُعرف عدد صحيح للأقصى، وفضله ثابت بالآية وبحديث شدّ الرحال.
— بيت المقدس في خلافة عمر — افتتح المسلمون الشام في خلافة أبي بكر ثم عمر رضي الله عنهما. ولما ضيّق أبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة على أهل إيلياء، وهو الاسم الروماني القديم لبيت المقدس، طلب أهلها الصلح، واشترط بطريقهم، ويسميه المؤرخون صفرونيوس، أن يتولى عمر نفسه كتابة العهد وتسلُّم المدينة. هذا ما ذكره الطبري وابن كثير وغيرهما، والخلاف في زمنه بين سنة خمس عشرة وست عشرة للهجرة.
فخرج عمر من المدينة إلى الشام، واستخلف عليها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويُروى أنه كان يتعاقب مع غلامه على راحلة واحدة، وأن الغلام كان راكبًا عند الدخول، وأن عمر دخل ماشيًا، وهذا مشهور في كتب التاريخ كالطبري والبداية والنهاية، ولا يثبت بإسناد صحيح أكيد، وإن كان معروفًا من زهد عمر وتواضعه.
— العهدة العمرية — كتب عمر لأهل إيلياء كتاب أمان، نصّه كما ذكره الطبري: «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم ولا يُضارّ أحد منهم». وفي النص شروط أخرى تتعلق بالجزية وعدم سكنى اليهود معهم، وقد اختلف العلماء في ثبوت ألفاظ هذا العهد، ورأى بعضهم أن إسناد الطبري فيه ضعف، لكن مضمونه معروف عند المؤرخين، وفيه حفظ حقوق أهل الكتاب.
— أين صلى عمر؟ — يُروى أن عمر رضي الله عنه سأل عن موضع المسجد، فأشار عليه كعب الأحبار بالصلاة خلف الصخرة، فقال عمر: «ضاهيتَ اليهودية»، وصلى في صدر المسجد القبلي حيث بُني المسجد القبلي بعد ذلك. ذكر هذا ابن تيمية وغيره من أهل العلم، وفي إسناده ضعف عند بعضهم. ويُروى كذلك أن عمر لما دخل كنيسة القيامة وحانت الصلاة، رفض أن يصلي فيها، وصلى خارجها وقال إنه يخشى أن يتخذها المسلمون بعده مسجدًا. وهذا مروي في كتب التاريخ وليس بصحيح الإسناد. والمقصود من هذه الأخبار أن عمر رضي الله عنه تحرّى ألا يتشبه بأهل الكتاب.
وروى بعض المؤرخين أن عمر أمر بتنظيف المكان مما ألقاه الروم من القمامة وبناء مسجد صغير فيه، وهو ما عُرف بمسجد عمر. وذكر بعض الرحالة الذين زاروا القدس بعد الفتح بزمن قصير مسجدًا بسيطًا من خشب، فالبناء الأول كان بسيطًا.
— مكانة الأقصى — الأقصى ليس القبة الذهبية التي تظهر في الصور. هو المسجد كله ضمن السور، ومساحته نحو مئة وأربعة وأربعين ألف متر مربع. وفيه المسجد القبلي ذو القبة الرصاصية، وقبة الصخرة بنيت بعد زمن عمر، كما سيأتي. وقد قال أهل العلم إن الصلاة تصح في أي موضع منه، ولا يصح أن يعتقد أن لبقعة معينة فضلًا ما لم يرد به دليل.
— العبرة — أن المسلمين تسلموا القدس بعقد أمان لا بسفك، وأن خليفة المسلمين كتب بيده ضمانًا لدور العبادة، وأن المسجد الأقصى أمانة في عنق الأمة، فإن حقه علينا أن نعرف قدره ونثبت على ما ثبت في فضله، وأن نترك الأحاديث الضعيفة التي لا يحتاج إليها.
