قبة الصخرة بناء مشهور في القدس، يخلط كثير من الناس بينه وبين المسجد الأقصى. وهذه القصة تفرّق بينهما، وتذكر ما ثبت تاريخيًّا في بنائها، وما قيل في سبب البناء وما لا يثبت، وتتتبع تاريخ الأقصى بعد العهد الراشدي إلى فتح صلاح الدين، مع بيان ما يثبت في فضل الصخرة وما لا يثبت.
— من بناها ومتى؟ — بنى قبة الصخرة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وكان العمل فيها بين سنتي ست وستين واثنتين وسبعين للهجرة تقريبًا. وتدل النقوش الكتابية داخل القبة على تاريخ اثنتين وسبعين للهجرة (نحو 691م)، وقد ذكر الباحثون أن اسم الخليفة في النقش قد غُيّر في عصر لاحق إلى اسم المأمون مع بقاء التاريخ. وذكر المقدسي وغيره أن المشرفين على العمل كانا رجاء بن حيوة الكندي، وهو من علماء التابعين، ويزيد بن سلام مولى عبد الملك.
— النقوش — تشمل النقوش التي في القبة بالخط الكوفي آيات التوحيد، وفيها شهادة التوحيد، وآيات من سورة النساء فيها النهي عن الغلو في المسيح عليه السلام وبيان أنه عبد الله ورسوله، وسورة الإخلاص، والصلاة على النبي ﷺ. وهذه من أقدم النقوش القرآنية المؤرخة. وقد فسّر الباحثون وجودها بأن البناء كان إعلانًا للتوحيد في مدينة فيها كنائس عظيمة.
— لماذا بُنيت؟ — ذكر المقدسي الجغرافي (توفي نحو 380هـ) في «أحسن التقاسيم» أن عبد الملك لما رأى عظمة كنيسة القيامة وجمالها خشي أن تفتن قلوب المسلمين، فنصب على الصخرة قبة تفوقها. ومثل هذا الدافع محتمل ومعروف عند المؤرخين، والله أعلم.
وزعم بعض المؤرخين كاليعقوبي أن عبد الملك بنى القبة ليصرف الناس عن الحج إلى مكة أيام ابن الزبير. وهذا القول رده جمهور العلماء والمؤرخين المعتبرين، فلا دليل عليه، وقد ردّه المحققون من أهل العلم. فلا يُنسب إلى الخليفة ما لا دليل عليه.
— الصخرة: ما يثبت وما لا يثبت — الصخرة ليست المسجد الأقصى، وهي ليست قبلة، وليس للصلاة عندها فضيلة خاصة بدليل صحيح. وقد نصّ ابن تيمية رحمه الله على أن الصخرة لم يشرع الشرع تعظيمها، وأن النبي ﷺ لم يصلّ عندها، وكذلك الصحابة. وما يشتهر على الألسنة من أن النبي ﷺ عُرج به من الصخرة، أو أن فيها أثر قدمه، لا يثبت بدليل صحيح. وليس في القرآن والسنة الصحيحة ذكر للصخرة، وإنما العمدة في فضل المكان هو الأقصى بوصفه مسجدًا.
ويعني هذا أن القبة بناء حضاري إسلامي له قيمته التاريخية، لكن العبادة لا تُبنى على الأوهام. وكان ذلك دأب السلف في تنزيه الشعائر عمّا لم يثبت.
— وصف البناء — تقوم القبة على مخطط ثُماني الأضلاع، يحيط بالصخرة رواقان متداخلان، وترتفع القبة على رقبة ذات نوافذ تحملها أربع دعائم واثنا عشر عمودًا في دائرة، ويبلغ قطر القبة نحو عشرين مترًا. وفي داخلها زخارف من الفسيفساء الزجاجية والرخام والنقوش النباتية بلا صور لكائنات حية. وقد تعاقب عليها الترميم: فاستبدل العثمانيون في عهد السلطان سليمان القانوني بواجهتها الخارجية بلاطًا خزفيًّا في القرن العاشر الهجري، وكُسيت القبة بالذهب في أواخر القرن العشرين الميلادي. وهذه تفاصيل من كتب العمارة والتاريخ، وليست من أمور الدين.
— ما يُشاع عن الصخرة ولا يثبت — تداول الناس عن الصخرة أخبارًا كثيرة، منها أنها معلقة بين السماء والأرض، وأنها من صخور الجنة، وأنها موضع عرش الرحمن، وأن فيها أثر قدم النبي ﷺ حين عُرج به. وكل ذلك لا يصح فيه شيء عن النبي ﷺ، وبعضه من الإسرائيليات التي نُقلت عن أهل الكتاب، وبعضه مما نبّه العلماء على أنه موضوع، كما قال ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم بالحديث. والمسلم يتحرّى ما صح، ويدع ما لم يثبت، ويكفيه في بيت المقدس ما ثبت من فضله.
— المسجد الأقصى بعد عمر — بُني المسجد القبلي، وهو المصلى المسقوف في جنوب ساحة الأقصى، في العصر الأموي. ويُنسب بناؤه إلى عبد الملك وإلى ابنه الوليد بن عبد الملك الذي أتم عمارته، وهو ما ذكره المؤرخون. وتعرّض لزلازل متتابعة، فجدّده الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بعد زلزال سنة مئة وثلاثين تقريبًا، ثم جدّده ابنه المهدي. ثم أعاد الفاطميون بناءه في القرن الخامس، في عهد الظاهر لإعزاز دين الله حوالي سنة ست وعشرين وأربع مئة، وهو الشكل الذي بقيت عليه أسس البناء الحالي.
— من الصليبيين إلى صلاح الدين — دخل الصليبيون القدس سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة للهجرة (1099م)، وحوّلوا المسجد الأقصى وقبة الصخرة إلى كنيسة ومقر لهم نحو ثمانٍ وثمانين سنة. ثم افتتحها صلاح الدين الأيوبي في السابع والعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة (1187م)، وأعاد إليها المنبر الذي أمر نور الدين محمود بصنعه في حلب استعدادًا لتحريرها، فنُصب في الأقصى، وبقي إلى أن أُحرق في آب سنة 1969م.
وهذه الأحداث مذكورة في كتب التاريخ المعتبرة، كالكامل لابن الأثير والبداية والنهاية، وإن اختلفت في تفاصيلها.
— العبرة — أن عمارة الأقصى تواصلت على أيدي من تعاقبوا من حكام المسلمين، وأن بعضهم أخلص في ذلك وبعضهم أخطأ، وأن علينا التمييز بين المسجد الأقصى والقبة المبنية، فالأولى مسجد ذكره القرآن، والثانية أثر عمراني. وأن حفظ الدين يقتضي ألا ننسب إلى الأماكن فضلًا ما لم يرد به الدليل، فالبصيرة في ذلك من تمام الإخلاص لله ولرسوله.
