Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

من حاجز قصير إلى أروقة الحرم: توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي عبر العصور

عمر وعثمان والخلفاء وولاة الحرمين

لم يكن حول الكعبة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنهما جدار، بل كانت الدور محيطة بالمطاف، والناس يطوفون بين الدور. ولم يكن المسجد النبوي في بدايته إلا بناءً من لبن وجريد. ثم ازداد عدد المسلمين وضاقت المساجد بأهلها فكانت التوسعات. وهذه القصة تذكر مراحل التوسعة في الحرمين الشريفين بإيجاز، مع بيان ما يُنقل عن المؤرخين وما ثبت في الصحيح.

— المسجد الحرام قبل التوسعة — قال مؤرخو مكة كالأزرقي (من أهل القرن الثالث) إن الحرم لم يكن عليه جدار في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أبي بكر، وإن أول من وسّعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبع عشرة للهجرة بسبب كثرة الناس بعد الفتوح. وروى الأزرقي أن عمر اشترى دورًا حول المسجد وهدمها وزادها فيه، وأن بعض أصحاب الدور امتنعوا عن البيع فهدمها وجعل أثمانها في بيت المال حتى أخذوها. وفي رواية عنه أنه قال لهم: «إنما نزلتم على الكعبة فناءً لها، ولم تنزل الكعبة عليكم». ثم بنى حول المسجد جدارًا قصيرًا دون قامة الرجل، وإنما ذُكر هذا في أخبار مكة. هذا ما رواه الأزرقي وغيره في أخبار مكة، ولا نعرف له إسنادًا في الصحيح، وهو مشهور عند المؤرخين.

— عثمان رضي الله عنه — ثم وسّعه عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة ست وعشرين، واشترى دورًا حوله، وبنى للمرة الأولى أروقة حول المطاف تظلّل الناس. وذكر الأزرقي أنه امتنع بعض الناس أيضًا عن بيع دورهم فهدمها ووضع أثمانها. وروى أن بعضهم صاحوا به فأمر بحبسهم حتى كلمه عبد الله بن خالد بن أسيد فأطلقهم.

— عبد الله بن الزبير وعبد الملك والوليد — وجدّد عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما بناء الكعبة سنة خمس وستين، وأضاف إلى المسجد وزاد في أعمدته. وأتى عبد الملك بن مروان فرفع جدرانه وسقفه بالساج وزيّن الحرم، ثم زاد الوليد بن عبد الملك في عمارته بالرخام والأعمدة. وفي العصر العباسي وسّع أبو جعفر المنصور المسجد سنة سبع وثلاثين ومئة، وزاد ابنه المهدي توسعة كبيرة حوالي ستين ومئة، حتى صار المقام والكعبة في وسطه.

— الأزمنة اللاحقة — وزاد المعتضد العباسي سنة إحدى وثمانين ومئتين دار الندوة. وجدّد سلاطين العثمانيين الحرم، ومن ذلك عمارة السلطان سليم الثاني وابنه مراد الثالث سنة تسع وسبعين وتسع مئة تقريبًا، وكان من آثارها القباب المتتابعة التي بقيت قرونًا. ثم بدأت التوسعات السعودية الكبرى سنة خمس وسبعين وثلاث مئة وألف للهجرة في عهد الملك سعود، ثم الملك فهد، ثم الملك عبد الله وأولاده، ثم ما بعدها. وهي توسعات ضخمة غيّرت المطاف والمسعى وساحاته، مع محافظة على موضع الكعبة والمقام.

— المسجد النبوي في عهد عمر وعثمان — أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًّا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غيّره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج.

وكانت زيادة عمر سنة سبع عشرة، وزيادة عثمان في سنة تسع وعشرين وانتهت سنة ثلاثين، على ما ذكره المؤرخون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما كما علّقه البخاري: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى». وروي عن عمر أنه أمر بتسقيف المسجد وقال: «أكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تُحمّر أو تُصفّر فتفتن الناس». ذكره البخاري معلّقًا. فكانت سنّته الاقتصار على الحاجة دون زخرفة.

— الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز — في ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة، أمره الخليفة الوليد بن عبد الملك بتوسعة المسجد، فهدمه وأدخل فيه حجرات أزواج النبي ﷺ، بما فيها الحجرة التي دُفن فيها النبي ﷺ وصاحباه. وذكر ابن سعد وغيره أن سعيد بن المسيب رحمه الله كره إدخال الحجرات، وقال: «والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناشئ من أهل المدينة وبعض الوفد فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر». وهذا الخبر مذكور في طبقات ابن سعد وكتب التاريخ، وإسناده فيه كلام، لكنه معروف. وقد أُحيطت الحجرة الشريفة بعد ذلك بجدار مخمّس حتى لا يستقبلها المصلون.

— بعد ذلك — جدّد المهدي العباسي المسجد حوالي سنة إحدى وستين ومئة، واحترق المسجد في رمضان سنة أربع وخمسين وست مئة بنار أصابت أجزاء منه، وأصابته في سنة ست وثمانين وثمان مئة بصاعقة، فأعاد بناءه السلطان المملوكي قايتباي سنة ثمان وثمانين وثمان مئة. وجدّد العثمانيون المسجد في القرن الثالث عشر، في عهد السلطان عبد المجيد الأول. ثم التوسعات السعودية بدءًا من عهد الملك عبد العزيز، ثم الملك فهد، وما بعده.

— فضل الحرمين — قال ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». رواه البخاري ومسلم. وقال: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه». رواه أحمد وابن ماجه من حديث جابر رضي الله عنه، وصححه جماعة من المحدثين. وفي هذا يتبين أن التوسعة لم تكن ترفًا، بل كانت لتمكين الأعداد الكبيرة من المسلمين من العبادة في الحرمين.

— العبرة — أن السلف جمعوا بين تعظيم الحرمين والمحافظة على البساطة، وأن مبدأ التوسعة هو حاجة المصلين والطائفين، لا التباهي. وأن الأمة في كل عصر تحمل أمانة خدمة الحرمين، ويتبين كل عصر منه ما يلائمه. ويجب أن يُنقل التاريخ بأمانة، فيفرّق بين ما رواه المؤرخون وما ثبت بالسند الصحيح.

العبرة

توسعة الحرمين كانت لخدمة الطائفين والمصلين، وسنة السلف الاقتصاد في الزخرفة؛ والتاريخ يُنقل بتمييز الصحيح من المشهور.

المصدر: صحيح البخاري (كتاب الصلاة، باب بنيان المسجد)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث فضل الصلاة في المسجد النبوي)؛ سنن ابن ماجه ومسند أحمد (فضل الصلاة في المسجد الحرام)؛ أخبار مكة للأزرقي؛ طبقات ابن سعد؛ تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية لابن كثير.

الدرجة: حديث ابن عمر في عمارة المسجد النبوي صحيح في البخاري؛ وتفاصيل توسعات المسجد الحرام وما نقله الأزرقي عن عمر وعثمان من أخبار المؤرخين ولا تبلغ شرط الصحيح؛ وكلام سعيد بن المسيب في إدخال الحجرات مروي بإسناد فيه كلام؛ والتواريخ والأعداد للتوسعات المتأخرة من كتب التاريخ.