سمّى أهل السير السنة التاسعة للهجرة «سنة الوفود»، لكثرة ما وفد على المدينة من وفود العرب بعد فتح مكة وتبوك. وقد ذكر ابن إسحاق وابن هشام وابن سعد أخبار عشرات الوفود، منها ما صح في الصحيحين، ومنها ما في كتب السير. وفي هذه القصة نعرض أسباب هذا التتابع، وما يتصل به من آيات وأحاديث، دون الدخول في سير كل وفد على حدة كما في قصص أخرى.
— سورة النصر — أنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وقد فسّر ابن كثير ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ بأنهم كانوا يدخلون فرادى ثم صاروا يدخلون جماعات قبيلةً قبيلة بعد الفتح. وهذا هو ما شهده عام الوفود.
— لماذا انتظرت العرب الفتح؟ — يروي لنا الصحابي الصغير عمرو بن سلمة الجرمي رضي الله عنه في صحيح البخاري سبب ذلك، قال: «كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا. فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يُقرّ في صدري. وكانت العرب تلوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم».
ومعنى «تلوَّم» أي تنتظر وتتمهّل. فكانت العرب ترى في قريش أهل البيت وسدنة الحرم، وتجعل إسلامهم أو هزيمتهم علامة على صدق الرسالة. فلما فتح الله مكة زال الحاجز النفسي.
— الصبي إمام قومه — ويكمل عمرو بن سلمة الخبر: فلما قدم أبي من عند النبي ﷺ قال: جئتكم والله من عند النبي حقًّا، فقال: «صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم وليؤمّكم أكثركم قرآنًا». فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين. رواه البخاري. وهذه الحادثة تدل على أن المعيار في الإمامة كثرة القرآن، وأن أهل الوفود كانوا يتلقون الدين بسرعة بعد إسلامهم.
— وفد تميم ونزول سورة الحجرات — روى البخاري عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ حتى انقضت الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه.
وفي سورة الحجرات أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقد ذكر ابن كثير وغيره في سبب نزولها أن ناسًا من بني تميم جاؤوا فنادوا النبي ﷺ من وراء حجراته، وهو حديث أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من رواية الأقرع بن حابس، وفي إسناده كلام، وقيل في سببها أقوال أخرى.
— مسيلمة بين الوفود — وقدم وفد بني حنيفة من اليمامة. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن مسيلمة قدم المدينة على عهد النبي ﷺ فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أُريتُ فيك ما رأيت». ثم روى ابن عباس عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمّني شأنهما، فأُوحي إليّ في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأوّلتهما كذّابين يخرجان بعدي»، فكان أحدهما العنسي والآخر مسيلمة. وهذه من القصص التي بقيت دروسًا في حفظ الدين من المدّعين.
— إكرام الوفود — وكان النبي ﷺ يكرم الوفود وينزلهم بأحسن المنازل ويجيزهم. وكان آخر ما أوصى به عند وفاته، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم». قال ابن عباس: وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسيتُها. وتؤكد هذه الوصية أهمية استقبال الوفود في الإسلام، وتدل على أنه ﷺ ما زال يهتم بهم حتى في مرضه الأخير.
وكان يرسل مع كل وفد من يعلمهم، كأبي عبيدة مع وفد نجران، وعثمان بن أبي العاص إمامًا على ثقيف. ولما رجع الوفد إلى قومه صاروا دعاة، وانتشر الإسلام بين الناس.
— ثمرات العام — من خلال ما رواه أهل السير والتفسير يتبين لنا أن الإسلام في هذه السنة تحوّل من دين قلة في المدينة إلى دين جزيرة العرب كلها. وقد جاءت بعد ذلك حجة الوداع، حيث اجتمع عشرات الآلاف على النبي ﷺ. ولا ينبغي أن يُفهم من هذا أن الجميع دخل بسبب القوة وحدها، فكثير من الوفود جاءت بعد أن تيقنت من صدق الدعوة، وكان بعضها يحاور ويناظر ويسأل، كوفد نجران ووفد عبد القيس.
— العبرة — أن الحق إذا ظهر لم يبقَ أمامه حاجز، وأن النصر الذي وعد الله به هو الدافع الأعظم لقبول القلوب، وأن النبي ﷺ استقبل الناس بالرفق، وأن الأمة التي تُعلّم أبناءها القرآن يخرج منها أئمة صغار كعمرو بن سلمة.
