Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

همدان في يوم واحد: دخول الإسلام اليمن وبعث علي ومعاذ

علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وخالد بن الوليد رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

اليمن بلاد عريقة ذكرها القرآن باسم سبأ، وذكر خبر أهلها وجنتيهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، ثم ذكر إعراضهم ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. وفي الإسلام مدح النبي ﷺ أهل اليمن مدحًا خاصًّا. وهذه القصة تتتبع كيف دخل الإسلام اليمن، وأخبار من بعثهم النبي ﷺ إليها.

— أهل اليمن في الحديث — قال النبي ﷺ: «أتاكم أهل اليمن هم أرقّ أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية». رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. وفي رواية: «الفقه يمان». وقد فسّر العلماء كالنووي وابن حجر المراد بأنه وصف لأهل اليمن الذين جاؤوا إلى النبي ﷺ وأسرعوا إلى الإيمان، أو هو مدح للأنصار الذين أصلهم من اليمن. وليس في الحديث دعوى عصبية لقوم على قوم.

— الأشعريون والدوسيون — وجاء إلى النبي ﷺ من اليمن في أول الأمر أفراد وقبائل: الطفيل بن عمرو الدوسي أسلم بمكة، ثم قدم المدينة ومعه نحو سبعين أو ثمانين بيتًا من دوس على ما ذكره أهل السير. وجاء أبو موسى الأشعري وأخواه ومن معهم من قومه مهاجرين في سفينة، فألقتهم الريح عند النجاشي بالحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب، ثم قدموا جميعًا على النبي ﷺ حين افتتح خيبر، كما رواه البخاري ومسلم. وروت أسماء بنت عميس عن النبي ﷺ أنه قال لهم: «لكم أنتم أهل السفينة هجرتان».

— بعث معاذ وأبي موسى — وفي أواخر عهده أرسل النبي ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن، كل منهما على مخلاف، وأوصاهما: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا». رواه البخاري ومسلم. ويُروى أن النبي ﷺ سأل معاذًا: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد؟» قال: فبسنة رسول الله. قال: «فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله». رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وقد ضعّفه جماعة من المحدثين لجهالة بعض رواته، وتلقاه الفقهاء بالقبول، فهو من أحاديث الاجتهاد المشهورة، لكن لا يُحتج به دون التنبيه على هذا.

— خالد بن الوليد ثم علي — أرسل النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فأقام ستة أشهر، فلم يجيبوه. روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه وكان ممن خرج مع خالد، ثم بعث النبي ﷺ عليًّا وأمره أن يُقفل خالدًا، وأن من أحب أن يبقى مع علي فليبقَ، قال البراء: فكنت فيمن عقّب معه. فلما دنوا من القوم خرجوا إليهم، فصلى بهم علي رضي الله عنه ثم تقدم فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد.

وأصل القصة في صحيح البخاري في المغازي، أما زيادة أن عليًّا كتب إلى النبي ﷺ بإسلامهم، وأن النبي ﷺ لما قرأ الكتاب خرّ ساجدًا ثم رفع رأسه وقال: «السلام على همدان، السلام على همدان»، فقد رواها البيهقي في دلائل النبوة، وهي من الروايات التي يذكرها أهل السير، وفي إسنادها نظر عند بعضهم.

— حمير وملوك اليمن — وذكر ابن هشام وابن سعد أن ملوك حمير أرسلوا إلى النبي ﷺ بإسلامهم بعد عودته من تبوك، وكتب إليهم كتابًا فيه ما لهم وما عليهم. وأما تفاصيل نص الكتب وأسماء الملوك فمن ضبط الرواة في كتب السيرة، ولا يُجزم بتفصيلها.

— باذان والفرس — كان باذان عاملًا فارسيًّا على اليمن من قبل كسرى. وذكر ابن إسحاق أن كسرى كتب إلى باذان يأمره بإرسال من يأتيه بالنبي ﷺ، فأرسل باذان رجلين فقال لهما النبي ﷺ: «أخبرا صاحبكما أن ربي قتل ربه الليلة»، فتحقق الخبر بقتل كسرى على يد ابنه شيرويه، فأسلم باذان ومن معه من الفرس، وسُمّوا الأبناء. وأقرّه النبي ﷺ على اليمن، فلما مات باذان فرّق النبي ﷺ أمر اليمن بين عمّال. هذا الخبر في كتب السير ورواياته مفرّقة وبعضها فيه ضعف، وهو مشهور عند المؤرخين.

— الأسود العنسي — ظهر في اليمن عبهلة بن كعب العنسي، المعروف بالأسود العنسي، وادّعى النبوة في أواخر حياة النبي ﷺ، واستولى على صنعاء. وقد قتله فيروز الديلمي ومن معه في الليلة التي توفي فيها النبي ﷺ أو قبلها بقليل، كما ذكر الطبري وابن كثير. وذكرت بعض الروايات أن النبي ﷺ أخبر أصحابه بمقتل الأسود وبأن فيروز قتله، لكن إسناد هذه الرواية ضعيف. وبعد وفاة النبي ﷺ ارتدّ بعض اليمن ثم عاد بحزم أبي بكر.

— ثمرة الدعوة — اشتهر اليمن بعد ذلك في الفتوحات، وكان لأهله دور كبير في فتح الشام ومصر وفارس، وخرج منهم علماء وفقهاء. ولا ينبغي أن يُظن أن كل ما يُروى في فضل اليمن صحيح، فقد وضعت أحاديث في فضائل البلدان، والصحيح منها قليل، وقد نبّه المحدثون على ذلك.

— العبرة — أن الدعوة اعتمدت على الرفق والتيسير والحجة، وأن عليًّا لم يسفك دمًا حين قرأ كتاب النبي ﷺ، وأن اليمن أسرعت إلى الإسلام فكانت لها منزلة في حديث النبي ﷺ. وأن العالم يوصى بالتيسير والتبشير، فالنفوس تُجذب بالتي هي أحسن.

العبرة

دخل الإسلام اليمن بالدعوة والتيسير وإرسال المعلمين لا بالقوة؛ وفضل أهل اليمن ثابت في الحديث الصحيح دون غلو.

المصدر: القرآن الكريم: سورة سبأ؛ صحيح البخاري (كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن، وبعث علي وخالد إلى اليمن)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث أتاكم أهل اليمن، وحديث يسّرا ولا تعسّرا)؛ سنن أبي داود والترمذي (حديث معاذ في الاجتهاد)؛ دلائل النبوة للبيهقي؛ سيرة ابن هشام؛ تاريخ الطبري.

الدرجة: صحيح في البخاري ومسلم (حديث أهل اليمن، وبعث معاذ وأبي موسى، وقصة همدان في أصلها)؛ وحديث معاذ في الاجتهاد ضعيف السند وتلقاه الفقهاء بالقبول؛ وسجود النبي ﷺ لإسلام همدان من رواية البيهقي ولم يصح عند بعضهم؛ وقصة باذان ومقتل الأسود العنسي مشهورة في كتب السير دون سند صحيح.