يُراد بالبحرين في كتب الحديث والسير ما يسمى اليوم الساحل الشرقي للجزيرة العربية، من الكويت إلى قطر وعُمان، وفيه الأحساء والقطيف وهجر، لا الجزيرة المعروفة اليوم باسم البحرين وحدها. وقد دخل الإسلام هذه البلاد في حياة النبي ﷺ بوفودٍ ورسل، وثبتت أقدامه فيها بعد وفاته ﷺ حين ارتد الناس. وهذه القصة تجمع الثابت من ذلك في الصحيح، وما ورد في كتب التاريخ.
— وفد عبد القيس — وفد على النبي ﷺ وفد عبد القيس من البحرين، وفيهم المنذر بن عائذ المعروف بالأشجّ العصري. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: «من القوم؟» قالوا: ربيعة. قال: «مرحبًا بالقوم، غير خزايا ولا ندامى». فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مضر، فمُرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة. فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: «هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس».
وفي صحيح مسلم أنه قال للأشج: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». فقال: يا رسول الله، أنا تخلقتُ بهما أم جبلني الله عليهما؟ قال: «بل جبلك الله عليهما». فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. ويدل الحديث على ما كان لأهل البحرين من الأدب في الوفود ورفقهم في الحوار.
— الجمعة في جواثى — وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن أول جمعة جُمّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين». فجواثى قرية في البحرين، وفيها ثاني مسجد أقيمت فيه الجمعة بعد مسجد النبي ﷺ على ما نقله البخاري. ويدل ذلك على أن عبد القيس أقاموا شعائر الإسلام العلنية، وأن الجمعة أقيمت في القرى كما تقام في المدن. وقد استدل به بعض الفقهاء على جواز الجمعة في القرى، واختلفوا في ذلك.
— كتاب النبي ﷺ إلى المنذر بن ساوى — وفي السنة الثامنة للهجرة أرسل النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه بكتاب إلى المنذر بن ساوى العبدي، وهو ملك البحرين من قبل كسرى، يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وأسلم معه من العرب. هذا ما ذكره ابن سعد وابن إسحاق وابن كثير، وبقي المنذر عاملًا على قومه. وكان بالبحرين مجوس ويهود ونصارى، فأقرّهم النبي ﷺ على دينهم بالجزية.
روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر. وكان عمر رضي الله عنه قد توقف في أخذها من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف بذلك، فقال عمر: «لا أدري كيف أصنع في أمرهم»، فقال له عبد الرحمن: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب». رواه البخاري.
— مال البحرين — وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ صالح أهل البحرين وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي، وأن أبا عبيدة بن الجراح جاء بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ، فلما صلى انصرف فتعرّضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، وقال: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟» قالوا: أجل يا رسول الله. قال: «فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم». رواه البخاري ومسلم.
وفي صحيح البخاري أيضًا أن النبي ﷺ قال لجابر بن عبد الله: «لو قد جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا». فلم يجئ مال البحرين حتى قُبض النبي ﷺ، فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر منادياً فنادى: من كان له عند النبي ﷺ دين أو عدة فليأتنا. قال جابر: فجئت أبا بكر فأخبرته أن رسول الله ﷺ قال لي كذا وكذا، فحثا لي حثية فعددتها فإذا هي خمس مئة، وقال: خذ مثليها. رواه البخاري. وفي ذلك وفاء أبي بكر بوعد النبي ﷺ.
— الردة في البحرين — لما توفي النبي ﷺ ارتدّ كثير من العرب، ومنهم في البحرين بنو بكر بن وائل بقيادة الحطم بن ضبيعة، وهو شريح بن ضبيعة، وبقي أكثر عبد القيس على الإسلام بقيادة الجارود بن المعلى رضي الله عنه. وقد ذكر الطبري أن الجارود قام فخطب قومه بعد وفاة النبي ﷺ فقال: «أيها الناس، إن كان محمد قد مات فإن الله حي لا يموت، فاستمسكوا بدينكم. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله». وحُوصر المسلمون في جواثى حتى اشتد بهم الجوع، وأمدّهم أبو بكر بالعلاء بن الحضرمي.
وذكر الطبري ومن تبعه من المؤرخين تفاصيل المعركة وانتصار المسلمين، ومنها خبر عبور الجيش البحر إلى دارين، وأنهم دعوا الله فيسّر لهم العبور. وهذه القصة منقولة في تاريخ الطبري وغيره، وفيها ما لا يثبت بإسناد صحيح، وتروى في كتب التاريخ مع دعاء مروي عن العلاء، فنذكرها على أنها منقولة وليست من الصحيح الثابت. والثابت عندنا أن الله ثبّت المسلمين وأن أبا بكر قاتل المرتدين فعاد البحرين إلى الإسلام.
— عُمان — وذكر ابن سعد وابن إسحاق أن النبي ﷺ أرسل عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى جيفر وعبد ابني الجلندى في عُمان يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما وأسلم معهما من قومهما، وبقي عمرو بينهم يأخذ الصدقات ويعلّمهم، ثم رجع لما بلغه خبر وفاة النبي ﷺ. وفي بعض الأخبار أن أهل عُمان لم يرتدوا في أول الأمر، وأن في ردة بعضهم لقيط بن مالك الذي سُمّي ذا التاج، وانتهى أمره بجيش أبي بكر. وهذه كلها من كتب السير والتاريخ دون الصحيح.
— العبرة — تبين القصة أن الإسلام دخل البحرين بالدعوة والتعليم، وأن أهله حافظوا عليه حتى في زمن الردة، وأن جواثى بقيت علامة على إقامة الجمعة في القرى. وأن النبي ﷺ حذّر أصحابه من فتنة المال حين جاء إليهم مال البحرين، فكان همّه على دينهم أكثر من فقرهم.
