Islamic MixIslamic Mix
‹ معالم دينية تاريخية
معالم دينية تاريخيةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

فرض الجمعة: أسعد بن زرارة وهزم النبيت وأول جمعة للنبي ﷺ

أسعد بن زرارة وكعب بن مالك والنبي ﷺ

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

يوم الجمعة هو عيد المسلمين الأسبوعي، وصلاته من أعظم شعائرهم. وتاريخ فرضها له قصة مرتبطة بأهل المدينة قبل أن يصل إليها النبي ﷺ، وبأول جمعة صلاها بعد الهجرة، وما نزل فيه من القرآن. وتجمع هذه القصة ما ثبت وما ورد في كتب السير، مع بيان درجته.

— الجمعة يومٌ ضلّ عنه من كان قبلنا — قال النبي ﷺ: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا والنصارى بعد غد». رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. فالجمعة فرضٌ على الأمم، أخطأه أهل الكتاب بالاختلاف وهدى الله هذه الأمة إليه. وقال ﷺ: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة». رواه مسلم.

— الجمعة في مكة — كان فرض الجمعة قبل الهجرة بمكة، على ما قاله بعض أهل العلم، لكن النبي ﷺ لم يستطع إقامتها لأن المسلمين كانوا مستضعفين. وفي هذا خبر عن ابن عباس أخرجه الدارقطني أن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة، ولم يتمكن النبي ﷺ من إقامتها، وأنه كتب إلى مصعب بن عمير يأمره أن يجمع بالأنصار. وهذا الخبر ضعيف الإسناد، فلا يُعتمد في إثبات التفصيل. والثابت أن الجمعة أُقيمت أول ما أُقيمت في المدينة.

— أسعد بن زرارة في هزم النبيت — روى أبو داود وابن ماجه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان بالجمعة استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة وصلّى عليه، فمكث حينًا على ذلك. فقلت: والله إن هذا لعجز، ألا أسأله عن هذا؟ فخرجت به كما كنت أخرج به إلى الجمعة، فلما سمع الأذان استغفر له، فقلت: يا أبتاه أرأيت صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعتَ النداء بالجمعة؟ قال: أي بنيّ، كان أول من جمّع بنا بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ من مكة، في هزم من حرة بني بياضة، في نقيع يقال له نقيع الخضمات. قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون. وصححه ابن حبان وغيره، وحسّنه بعض المحدثين.

فهذا الخبر يدل على أن الأنصار أقاموا الجمعة بأنفسهم قبل مجيء النبي ﷺ، بإشراف أسعد بن زرارة رضي الله عنه، ثم أقرّهم النبي ﷺ بعد ذلك. وقد استدل به الفقهاء على اشتراط عدد الأربعين في الجمعة عند الشافعية، واختلفوا في الاستدلال، لأنه فعل وليس شرطًا نصًّا. وفي السند ما فيه من خلاف.

وفي رواية أخرى أن الأنصار قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلمّ فلنجعل يومًا نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فقالوا: يوم السبت لليهود، والأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكّرهم، فسمّوه الجمعة. وهذا الخبر رواه عبد الرزاق عن ابن سيرين مرسلًا، وقد ضعّفه جماعة من أهل العلم، فنذكره ولا نجزم به.

— أول جمعة صلاها النبي ﷺ — ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير أن النبي ﷺ أقام بقباء في بني عمرو بن عوف الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. وذكر بعض أهل السير أنهم كانوا مئة، وأنه خطب فيهم. وهذا مروي في السير، ولم يثبت بإسناد صحيح، وإن كان مشهورًا عند أهل المدينة، وبُني في الموضع مسجد يعرف بمسجد الجمعة.

— نزول الآيات — فرضت الجمعة في كتاب الله، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ومعنى ﴿فَاسْعَوْا﴾ في تفسير السلف الذهاب والمضي إلى الذكر وليس العدو، فقد قال الحسن البصري: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولكنه السعي بالقلوب والنية. وقال الله بعدها: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

— حين انفضّوا إلى التجارة — روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعامًا، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا، فنزلت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وفي رواية لمسلم أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا. وقد استدل به العلماء على أن الخطبة تكون قيامًا، وعلى سبب الأمر بترك البيع. وفي الحديث ثناء ضمني على الاثني عشر الذين ثبتوا.

— آداب الجمعة — قال النبي ﷺ: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم». رواه البخاري ومسلم. وقال: «لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أحرّق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم». رواه مسلم من حديث ابن مسعود. وقال عمار بن ياسر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة». رواه مسلم. وروى مسلم عن جابر بن سمرة: «كان النبي ﷺ يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا».

وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخطب يوم الجمعة فدخل عثمان، فقال عمر: أيّة ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضًا؟ وقد علمتَ أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل. فهذا فيه إنكار الخليفة على الصحابي الكبير أمام الناس، وفيه اعتذار عثمان.

— النداء الثاني والثالث — وكان النداء للجمعة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر نداءً واحدًا إذا جلس الإمام على المنبر، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، وهو دار في السوق، كما رواه البخاري عن السائب بن يزيد. وقد سمّاه الراوي الثالث لأن الإقامة تُعد نداءً ثانيًا عند بعضهم.

— العبرة — أن الجمعة من نعم الله على هذه الأمة، وأن صحابة النبي ﷺ تعلموا من الموقف الذي انفضّوا فيه إلى التجارة أن الصلاة مقدّمة على الدنيا، وأن الأنصار في المدينة سبقوا إلى هذا الخير قبل مجيئه ﷺ، وأن الجمعة يوم اجتماع وذكر ونصح.

العبرة

الجمعة يوم عيد المسلمين الأسبوعي هداهم الله إليه؛ وأمرُ السعي إليها وترك البيع يعلّم تقديم الصلاة على الدنيا.

المصدر: القرآن الكريم: سورة الجمعة؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث أبي هريرة في هداية الأمة ليوم الجمعة، وحديث جابر في الانفضاض إلى العير، وحديث عمر وعثمان، وحديث السائب بن يزيد في النداء)؛ صحيح مسلم (حديث عمار وجابر بن سمرة وابن مسعود)؛ سنن أبي داود وابن ماجه (حديث عبد الرحمن بن كعب في أسعد بن زرارة)؛ سيرة ابن هشام؛ فتح الباري.

الدرجة: القرآن والأحاديث المذكورة في الصحيحين ثابتة؛ وخبر أسعد بن زرارة في السنن حسّنه بعضهم وصححه ابن حبان؛ وخبر اجتماع الأنصار وتسمية العروبة مرسل وضعيف؛ وأول جمعة صلاها النبي ﷺ ببني سالم من السير دون إسناد صحيح؛ وخبر الدارقطني عن فرضها بمكة ضعيف.