تحريم الخمر من أعظم ما غيّر عادات العرب في الجاهلية، وكانت الخمر عندهم مألوفة ومفخرة، ومع ذلك نزل تحريمها فتركوها في يوم واحد. وقد جاء التحريم على مراحل في القرآن، وتدل الأحاديث الصحيحة على حكمة هذا التدرّج. وتتناول هذه القصة المراحل الأربع، دون الدخول في قصة إراقتها في سكك المدينة التي ذُكرت في قصة أخرى.
— حكمة التدرّج — قالت عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا». فبدأ القرآن بغرس الإيمان والعقيدة، ثم جاءت الأحكام بعد استقرار القلوب. وهذا من دقة المنهج الرباني.
— المرحلة الأولى: الإشارة — قال الله تعالى في سورة النحل، وهي مكية: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. وفسّر كثير من السلف السَّكر هنا بالمسكر، وهذا ما رواه الطبري عن ابن عباس ومجاهد وغيرهم، وفي الآية تفريق بين السَّكر والرزق الحسن، فهي إشارة غير صريحة إلى أن السَّكر ليس من الرزق الحسن. وقال بعضهم إنها نزلت قبل التحريم، فلا يكون فيها دليل على الحلّ بعد ذلك.
— المرحلة الثانية: بيان الإثم — ثم لما سأل الصحابة قال عمر رضي الله عنه: «اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا». فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾. فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: «اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا». رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عمر، وصححه علي بن المديني وغيره. فتركها بعضهم لأن فيها إثمًا كبيرًا، وشربها آخرون لأن فيها منافع.
— المرحلة الثالثة: النهي عند الصلاة — ثم صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي ﷺ، فأكلوا وشربوا من الخمر، حتى ثملوا، فحضرت الصلاة، فقدّموا عليًّا إمامًا، فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ... وخلط فيها، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وفي هذه الآية منع من الشرب في أوقات الصلاة، فكان الصحابة يتحاشون الشرب قرب الصلوات. وصار المنادي ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران.
ووجه التدرج أن الصلاة خمس مرات في اليوم، فلم يبقَ للشارب وقت يشرب فيه إلا ما بين العشاء والفجر، ولهذا كان الحكم قريبًا من التحريم. وقد ذكر بعض المفسرين هذا المعنى.
— المرحلة الرابعة: التحريم القاطع — وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «نزلت فيّ أربع آيات...» وذكر منها: أنه صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعا ناسًا من المهاجرين والأنصار، فأكلوا وشربوا حتى سكروا، فافتخروا، فقال المهاجرون: المهاجرون خير، وقالت الأنصار: الأنصار خير، فرفع رجل لحي بعير فضرب به أنف سعد ففزره، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾.
فقال عمر رضي الله عنه لما قُرئت عليه: «انتهينا، انتهينا». وبمجرد نزول الآية، أُريقت الخمور في سكك المدينة، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة. فقال بعض القوم: قد قُتل قوم وهي في بطونهم. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
— أنواع الخمر — وفسّر عمر رضي الله عنه الخمر على المنبر فقال: «أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل». رواه البخاري ومسلم. وقال النبي ﷺ: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام». رواه مسلم من حديث ابن عمر. فالحكم يتعلق بالإسكار، ولا يختص بنوع من الأنواع، وهو ما عليه جمهور العلماء.
— اللعن والوعيد — وروى أبو داود وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه». وصححه جماعة من العلماء. وفيه أن الحرمة تعم من شارك في أي مرحلة من مراحل الخمر. وروى أبو داود والترمذي عن جابر أن النبي ﷺ قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام».
— متى كان التحريم؟ — اختلف أهل العلم في سنة التحريم، فقيل بعد أحد في السنة الثالثة أو الرابعة، وقيل في السادسة، وقيل غير ذلك. ولا يتوقف الحكم على معرفة السنة، والمهم أن الأمر جاء متدرجًا.
— العبرة — أن الشريعة بدأت بالقلوب قبل الأحكام، فلما استقر الإيمان استجاب الصحابة كلهم في لحظة، فأُريقت الخمور ولم يبقَ منها شيء. وأن الأحكام تُبنى على الحكمة والتدرج، وأن الصحابة لم يطلبوا الإبقاء على شيء مما حُرّم عليهم، بل قالوا: انتهينا، انتهينا.
