Islamic MixIslamic Mix
‹ التوبة والعبرة
التوبة والعبرةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

عمير بن وهب الجمحي: من سيف مسموم لقتل النبي ﷺ إلى داعية في مكة

عمير بن وهب الجمحي رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

رجل من شياطين قريش

كان عمير بن وهب الجمحي من فرسان قريش وأشرافها، وذكر ابن إسحاق في السيرة أنه كان شيطانًا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه وهم بمكة ويلقون منه عنتًا وهم في عدائه. وكان ابنه وهب بن عمير في أسرى بدر عند المسلمين.

مجلس الحِجْر

بعد أن رجعت فلول قريش من بدر، جلس عمير يومًا مع صفوان بن أمية في الحِجْر، بقرب الكعبة، وكان صفوان قد قُتل أبوه أمية بن خلف يوم بدر. فذكر عمير أصحاب القليب الذين أُلقوا فيه بعد المعركة، فقال صفوان: والله ما في العيش خير بعدهم. فقال عمير: صدقت والله، أما والله لولا دَين عليّ لا أجد له قضاءً، وعيال لا أدع لهم شيئًا، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي عندهم علّة: ابني أسير في أيديهم.

فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دَينك، أقضيه عنك، وعيالك أُسوة عيالي في النفقة ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم. فقال عمير: فاكتم عني شأني وشأنك. قال: أفعل. هذا ما ذكره ابن إسحاق، وهو معروف في كتب السير، وليس في الصحيحين.

الطريق إلى المدينة

ثم أمر عمير بسيفه فشُحذ وسُمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة. فبينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به، إذ نظر إلى عمير حين أناخ على باب المسجد متوشحًا سيفه، فقال عمر: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرّش بيننا وحزَرنا للقوم يوم بدر.

ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحًا سيفه. قال: «فأدخله عليّ». فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله ﷺ.

الحوار بين يدي النبي ﷺ

فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: «أرسله يا عمر، ادنُ يا عمير». فدنا ثم قال: أنعموا صباحًا، وكانت تحية أهل الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ: «قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام، تحية أهل الجنة». فقال عمير: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد. قال: «فما جاء بك يا عمير؟» قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: «فما بال السيف في عنقك؟» قال: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا؟ قال: «اصدقني، ما الذي جئت له؟» قال: ما جئت إلا لذلك.

قال: «بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دَين عليّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمّل لك صفوان بدَينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بيني وبينك».

الإسلام

قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق. ثم شهد شهادة الحق.

فقال رسول الله ﷺ: «فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره». ففعلوا.

وروى ابن إسحاق في هذا السياق أن عمر قال: والذي نفسي بيده لَخنزيرٌ كان أحب إليّ من عمير حين طلع علينا، ولهو اليوم أحب إليّ من بعض ولدي. وهو تعبير عن انقلاب القلب بعد الإسلام، فالإيمان يغيّر نظرة المؤمنين بعضهم إلى بعض.

الداعية في مكة

ثم قال عمير: يا رسول الله، إني كنت جاهدًا في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله والإسلام، لعل الله أن يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم. فأذن له رسول الله ﷺ، فلحق بمكة.

وكان صفوان بن أمية يقول حين خرج عمير: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره أن عميرًا قد أسلم، فحلف ألا يكلمه أبدًا ولا ينفعه بنفع أبدًا.

فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدًا، فأسلم على يديه ناس كثير. هكذا في رواية ابن إسحاق.

ما نأخذه من الخبر

أولًا: أن الله إذا أراد هداية عبدٍ هيأ له الأسباب، حتى ممن خرج بنية القتل. وقد أطلع الله نبيه على ما دار سرًّا بين رجلين في الحِجْر، ولم يكن من علم أحد، فكان ذلك من دلائل النبوة التي أسلم بها عمير.

ثانيًا: أن الإسلام يجبّ ما قبله، قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، فعمير الذي خرج بسيف مسموم عاد داعية يحبه المسلمون.

ثالثًا: أن الأخبار الخفية لا تخفى على الله، وأن المؤمن إذا اهتدى سعى في هداية من كان يغويهم، فلم يكتف عمير بنجاة نفسه بل ذهب يهدي أهله وقومه.

ولا ننسى أن الرواية هذه في السير، وتفاصيل الحوار منقولة عن ابن إسحاق ومرويّة بإسناد لا يبلغ شرط الصحيحين، وإن كان أصل القصة، وهو إسلام عمير بعد بدر، مشهورًا ومستقرًّا في كتب التراجم، ومنها «الإصابة» لابن حجر.

العبرة

من خرج لقتل النبي ﷺ عاد مسلمًا داعيةً، فباب الهداية مفتوح لكل أحد. ومن اهتدى فليسعَ في هداية من كان يضلّهم، فإن الإسلام يمحو ما قبله.

المصدر: سيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام (إسلام عمير بن وهب بعد بدر)؛ الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (ترجمة عمير بن وهب الجمحي)؛ القرآن الكريم: سورة الأنفال (الآية 38).

الدرجة: مشهور في كتب السير والتراجم من رواية ابن إسحاق، وليس في الصحيحين؛ وتفاصيل الحوار منقولة بنصها عن ابن هشام، ولم نضف عليها شيئًا؛ وقول عمر في خنزير محكي عن ابن إسحاق في السياق ذاته.