سيد من سادات قريش
كان صفوان بن أمية بن خلف من أشراف قريش، وكان أبوه أمية بن خلف من كبار من عذّبوا المستضعفين، وقُتل يوم بدر. وكان صفوان من الذين حاربوا النبي ﷺ في أحد والخندق، وكان بعد بدر من أشد الناس حقدًا على المسلمين، حتى قعد في الحِجْر مع عمير بن وهب يتشاوران، فيما ذكره ابن إسحاق وهو مشهور، وقد مرّ خبره في قصة عمير.
يوم الفتح: الهرب نحو جدة
لما دخل النبي ﷺ مكة في رمضان من السنة الثامنة أمّن الناس إلا نفرًا سمّاهم، وكان من أهل مكة من خرج هاربًا مخافة الانتقام. وذكر ابن إسحاق وغيره أن صفوان بن أمية خرج يريد جدة ليركب البحر إلى اليمن. فقال عمير بن وهب، وكان قد أسلم: يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربًا ليقذف نفسه في البحر، فأمّنه صلى الله عليك. قال: «هو آمن». فقال: يا رسول الله، أعطني شيئًا يعرف به أمانك. فأعطاه عمامته التي دخل بها مكة، وفي رواية: بردًا.
فخرج عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا أبا وهب، جئتك من عند أفضل الناس وأبرّ الناس وأوصل الناس، وهو ابن عمك، عزّه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك. قال: إني أخافه على نفسي. قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني. قال: «صدق». قال: فاجعلني بالخيار شهرين. قال: «أنت بالخيار أربعة أشهر». هكذا ذكره ابن إسحاق، وهو معروف في كتب المغازي.
ما رواه الإمام مالك عن إسلام زوجته
وروى الإمام مالك في الموطأ عن ابن شهاب الزهري أن صفوان بن أمية أسلم بعد الفتح وبعد حنين، وأن امرأته أسلمت قبله، فلم يفرّق رسول الله ﷺ بينهما، واستقرت عنده بذلك النكاح. وهو من المراسيل التي يحتج بها العلماء في باب النكاح، وله أصل في كتب الفقه.
يوم حنين: عارية الدروع
لما أراد النبي ﷺ المسير إلى هوازن في حنين، بلغه أن عند صفوان أدراعًا وسلاحًا، فأرسل إليه يستعير منها. فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: «بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك». قال: ليس بهذا بأس. وهذا الحديث رواه أبو داود وأحمد من حديث صفوان، وفي بعض ألفاظه أنه أعارها ثلاثين أو أربعين درعًا، وذكر ابن إسحاق أنها مائة درع بما يكفيها من السلاح. وهذا من اختلاف الروايات في العدد، والثابت أصل الاستعارة وضمان النبي ﷺ لها. وقد استدل بالحديث الفقهاء على مشروعية العارية وعلى جواز الاستعانة بمال المشرك عند الحاجة.
وكان صفوان قد خرج مع النبي ﷺ إلى حنين وهو على شركه، فلما انهزم المسلمون في أول المعركة قال رجل من قريش اسمه كلدة بن حنبل: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: اسكت فضّ الله فاك، فوالله لأن يربّني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربّني رجل من هوازن. ذكر هذا ابن إسحاق، ومعناه أنه كان يخشى أن تعلو هوازن على قريش، فتحرّكت فيه عصبيته مع بقائه على الشرك.
العطاء الذي غيّر قلبه
أخرج مسلم في صحيحه من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ. وهذا نص صحيح ثابت يصور تحول القلب على يد الإحسان.
وذكر ابن إسحاق في شأن تفصيل ذلك أنه كان ينظر إلى شعب مملوء نعمًا وشاءً ورعاءً بحنين، فجعل ينظر إليه ويعجب، فقال له النبي ﷺ: «أعجبك هذا الشعب؟» قال: نعم. قال: «هو لك وما فيه». فقال صفوان عند ذلك: ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وهذا الخبر في السير، ولا يثبت بهذا السياق في الصحيحين، فيُنقل منسوبًا إلى ابن إسحاق وغيره.
وأخرج مسلم أيضًا عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي ﷺ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها. ولم يسمّ في هذا الحديث، وإن ذكر بعض الرواة أنه صفوان، والله أعلم. فنحن نذكر الحديث دلالة على المعنى العام.
المؤلفة قلوبهم
كان صفوان ممن أعطاهم النبي ﷺ من غنائم حنين تأليفًا لقلوبهم، وقد جعل الله للمؤلفة قلوبهم سهمًا في الزكاة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. وهذا من هدي النبي ﷺ في استمالة القلوب بالإحسان، وقد قال ابن كثير وغيره إن التأليف يكون لمن يُرجى إسلامه أو يُخاف شره أو يُرجى قوّة إسلامه.
بعد الإسلام
أسلم صفوان وحسن إسلامه، وأقام بمكة، ويُروى أنه شهد اليرموك، وهي من الأخبار التي لا تثبت بإسناد قاطع. وتوفي بمكة، على الأرجح، في خلافة معاوية رضي الله عنه، ولا يُجزم بسنة محددة، فقد اختلف في ذلك المؤرخون.
العبرة
قد يبلغ بغض الإنسان للحق أعلى مبلغ ثم ينقلب حبًّا، لأن القلوب بيد الله، ولأن الإحسان يفتح مغاليق النفوس. وهكذا كان النبي ﷺ يعامل أعداءه بعد الظفر: بعفو وكرم، لا بانتقام. ولعل أعظم ما في القصة قول صفوان الصادق عن نفسه: أبغض الناس ثم أحب الناس، فهو يشهد بأن الإسلام ليس قهرًا بالسيف بل فتح للقلوب.
