ابن فرعون هذه الأمة
كان عكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي ابن أشد أعداء الرسول ﷺ، وكان أبوه أبو جهل الذي وصفه النبي ﷺ بأنه فرعون هذه الأمة كما رواه أحمد من حديث أنس رضي الله عنه. وقد قاتل عكرمة النبي ﷺ في أحد وفي الخندق، وكان في أحد على الميسرة من خيل قريش مع خالد بن الوليد. وفي يوم الفتح كان ممن لقي المسلمين عند الخندمة، فيما ذكره ابن إسحاق، مع صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، فقاتلوا خالد بن الوليد وقتل من المشركين نحو اثني عشر رجلًا ثم انهزموا.
الذين أهدر دمهم
ثبت عند أبي داود والنسائي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: لما كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. وصحح الحديث بعض أهل العلم، وهو معروف في كتب السنن. ومعنى ذلك أن عكرمة كان في قائمة من يخشى على نفسه فهرب.
الهرب إلى اليمن
خرج عكرمة هاربًا إلى اليمن، أما زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فأسلمت يوم الفتح، وسألت رسول الله ﷺ الأمان لزوجها، فقال: «هو آمن». ثم خرجت في طلبه، وذكر مالك في الموطأ، من طريق ابن شهاب، أنها لحقت به على ساحل البحر وقد ركب سفينة، فجعلت تقول: يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبرّ الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك، فإني قد استأمنت لك. فوقف عكرمة وقال: أنت فعلت هذا؟ قالت: نعم أنا كلمته فأمّنك.
وفي رواية مالك أيضًا أن بحّار السفينة جعل يقول له: أخلص، فسأله عكرمة: ما أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله. فقال عكرمة: ما هربت إلا من هذا! وهي رواية مرسلة عن ابن شهاب، لكنها تدل على أن كلمة التوحيد كانت أثقل شيء على نفسه، ثم صارت فيما بعد أحب شيء إليها.
الإخلاص في البحر
وروى أبو داود والنسائي عن سعد بن أبي وقاص في تتمة حديثه المتقدم أن عكرمة ركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ههنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجّني من البحر إلا الإخلاص، لا ينجيني في البرّ غيره، اللهم إن لك عليّ عهدًا، إن أنت عافيتني مما أنا فيه، أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنّه عفوًا كريمًا. فجاء فأسلم. هذا اللفظ في السنن، وفيه شهادة على أن الشدة تردّ الفطرة إلى التوحيد، وأن القلب إذا ضاقت به الأسباب لم يجد غير الله.
وقد جاء في القرآن ما يوافق هذا المعنى في سورة العنكبوت: أنهم إذا ركبوا الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجّاهم إلى البر إذا هم يشركون. وكان عكرمة ممن عاهد الله حين الشدة ووفى بعد النجاة، وهذا فرق بين من يتوب صادقًا ومن يعود لما كان عليه.
الاستقبال: مرحبًا بالراكب المهاجر
روى الترمذي، وهو من المراسيل، عن ابن أبي مليكة أن عكرمة بن أبي جهل لما جاء النبي ﷺ يوم الفتح قال النبي ﷺ: «مرحبًا بالراكب المهاجر». وفي رواية الترمذي وكذلك في الموطأ من مرسل ابن شهاب أن النبي ﷺ وثب إليه فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه، فلم تكن هذه البيعة مجرد عفو بل استقبال أخ طال انتظاره. وفي رواية عند الحاكم والواقدي أن النبي ﷺ قام إليه فرحًا، وأنه قال: «لا تسبّوا أباه، فإن سبّ الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت». والأخيرة في أسانيد فيها كلام، والترمذي عدّ المرسل فيها غريبًا، ولذلك نكتفي به على سبيل الذكر مع التنبيه.
وذكر ابن سعد وغيره أن عكرمة قال: يا رسول الله، استغفر لي كل عداوة عاديتكها، وكل مقام وقفته أريد به إطفاء نورك. فقال: «اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مقام قامه يريد به أن يطفئ نورك». فقال: يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله، ولا قتالًا قاتلته في الصد إلا أبلغت مثله في سبيل الله. وهذا الخبر مرويّ في كتب الطبقات بأسانيد ضعيفة، فهو يُروى ولا يُجزم به.
أنفاسه الأخيرة
يذكر المؤرخون أن عكرمة خرج إلى الشام في الجهاد، وقد شهد اليرموك أو أجنادين، واختلف في موضع استشهاده. وقد رُوي أنه ترجّل في معركة اليرموك وقال: قاتلت رسول الله ﷺ في مواطن، أفأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه جماعة، فقاتلوا حتى أثخنتهم الجراح. وهذا الخبر ذكره الواقدي، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية دون أن يجزم به، فنذكره مع التنبيه على ضعف سنده.
والثابت المجمع عليه أنه استشهد في الجهاد بالشام في عهد أبي بكر رضي الله عنه أو أوائل عهد عمر، وأنه عاش مسلمًا مجاهدًا بعد أن كان من ألدّ الخصوم.
أين تظهر عظمة القصة
تظهر في أن أقرب الناس عداوة قد يصبح من أقربهم نصرة، حين يفتح الله قلبه. وأن الصحابي الجليل لم يتنكر لماضيه بل ندم عليه وسعى في تكفيره. وفي أن العفو النبوي كان أرحب من غضب الأعداء، فمن كان مهدور الدم أضحى مستشهدًا في سبيل الله. وفي أن رحمة الله لمن عاد إليه لا حدود لها: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾.
ولا يفوتنا ما في موقف زوجته أم حكيم من حكمة وإقدام، فقد كانت سببًا بعد الله في نجاة زوجها، وكان لها بذلك فضل لا يُنسى.
ملاحظة في التوثيق
اجتمع في هذه القصة ثلاثة مستويات من الروايات: ما ثبت في السنن من حديث سعد بن أبي وقاص، وما جاء مرسلًا في الموطأ وجامع الترمذي، وما انفردت به كتب الطبقات والتاريخ. وقد ميّزنا بينها في النص حتى لا يُنسب إلى الصحابي ما لم يثبت عنه، ولا يُحرم القارئ من معرفة ما يُروى عنه في كتب أهل العلم.
