Islamic MixIslamic Mix
‹ التوبة والعبرة
التوبة والعبرةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

وحشي بن حرب: حربة حمزة وحربة مسيلمة وسؤال «هل لي من توبة؟»

وحشي بن حرب رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

العبد الحبشي وعهد سيده

القصة الأصل في هذا الباب رواها البخاري في صحيحه في كتاب المغازي، باب قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، عن وحشي نفسه، بإسناد فيه جعفر بن عمرو الضمري وعبيد الله بن عدي بن الخيار. كان وحشي بن حرب عبدًا حبشيًّا لجبير بن مطعم، وكان عمّ جبير، طعيمة بن عدي، قد قُتل يوم بدر. فقال جبير لوحشي: إن قتلتَ حمزة عمّ محمد بعمّي فأنت عتيق. وكان وحشي رجلًا حبشيًّا يقذف بالحربة قذف الحبشة قلّما يخطئ بها شيئًا.

يوم أحد

قال وحشي: فلما خرج الناس عام عينين، وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه وادٍ، خرجت مع الناس إلى القتال. فلما اصطفوا للقتال خرج سباع بن عبد العزى فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحادّ الله ورسوله؟ ثم شدّ عليه فكان كأمس الذاهب. أي قتله حمزة سريعًا.

وكمنتُ لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثُنّته حتى خرجت من بين وركيه، فكان ذاك العهد به. فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام. هذا ما في الصحيح، فنقف عنده ولا نزيد على ألفاظه، فإن بعض كتب السير زادت تفاصيل عن شأن هند بنت عتبة وما وعدت به وحشيًّا، وهي لا تبلغ درجة ما في الصحيح.

وكان حمزة عم النبي ﷺ وأخاه من الرضاعة، وأسد الله وأسد رسوله، وقد روى الحاكم عن جابر رضي الله عنه حديث: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب». فمصابه كان من أشد ما جرى على المسلمين في أحد، وقد وجد عليه النبي ﷺ وجدًا شديدًا.

الهروب إلى الطائف ثم المجيء

ثم قال وحشي: ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا رسولًا إلى رسول الله ﷺ، فقيل لي إنه لا يهيج الرسل. أي لا يعتدي عليهم. فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله ﷺ، فلما رآني قال: «آنت وحشي؟» قلت: نعم. قال: «أنت قتلت حمزة؟» قلت: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: «فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني؟» فخرجت.

ومن هذا النص يظهر أن النبي ﷺ لم يقتله، ولم يعاقبه، إذ الإسلام يجبّ ما قبله، لكنه طلب منه ألا يقع نظره عليه، لأن رؤيته تذكّره بعمه الشهيد. وهذا من طبيعة النفس البشرية التي لا يملك صاحبها أن يمحو ما فيها من ألم، وقد قال العلماء في شرح الحديث: إن الإسلام يمنع القصاص عمن أسلم، ولا يمنع الحزن في قلوب أهل الميت.

السؤال عن التوبة وما نزل

أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، لكنه لا يذكر وحشيًّا بالاسم.

وجاء في كتب التفسير روايات تذكر أن وحشيًّا هو من سأل تحديدًا: كيف تدعوني وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلقَ أثامًا؟ وأنا قد فعلت ذلك كله، فهل تجد لي من رخصة؟ فنزلت: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فقال: هذا شرط شديد، لعلي لا أقدر عليه. فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. فقال: أرى بعد مشيئة، فلا أدري أيُغفر لي أم لا؟ فنزلت: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، فقال: نعم هذه. فجاء فأسلم. وهذه الرواية ذكرها ابن كثير وغيره من أهل التفسير ونبّهوا على ضعفها لانقطاعها، فنقول: رُوي ولم يثبت، والثابت هو حديث ابن عباس العام.

حربة أخرى

قال وحشي بعد ذلك: فلما قُبض رسول الله ﷺ وخرج مسيلمة الكذاب قلتُ: لأخرجنّ إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة. فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان. وفي الصحيح أنه رأى رجلًا قائمًا في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، فرماه بحربته فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته. وهذا هو يوم اليمامة، ومسيلمة هو ذلك الكذّاب الذي ادّعى النبوة.

قال عبد الله بن الفضل الراوي: فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر بيت: وا أمير المؤمنين، قتله العبد الأسود. وهذا يدل على أن وقع قتل مسيلمة كان عظيمًا على الناس.

وقال وحشي كلامًا يُنقل عنه في روايات أخرى وفي كتب الطبقات، بمعنى: قتلتُ خير الناس في الجاهلية، وقتلتُ شرّ الناس في الإسلام. والعبارة منقولة بصيغ متقاربة، ومعناها أنه رأى في قتل مسيلمة تكفيرًا لما سلف. ولا نجزم بنصها، وإنما نقصد المعنى المروي.

ما بعد ذلك

ذكر ابن عبد البر وابن حجر في ترجمته أنه سكن حمص، وأنه ابتُلي بشرب الخمر فجُلد فيها،. وهذا مما يُنقل في كتب التراجم، وفي أسانيده مقال، لكنه يُذكر لبيان أن الصحابي بشر قد يذنب، وأنه لا يُخرج من الإسلام بالذنب، وأن القصة لا تتعلق بالعصمة. ومن شأن أهل السنة ألا يخرجوا مؤمنًا من الإيمان بذنب دون الشرك، وأن يحذروا من سب الصحابة.

نظرة تفسيرية

ينبغي أن نقرأ القصة مع آية الفرقان وآية الزمر معًا. ففي الأولى شرط التوبة والإيمان والعمل الصالح، وفي الثانية فتح باب الرجاء. قال ابن كثير في تفسير آية الزمر: إنها دعوة لكل العصاة من الكفار وغيرهم إلى التوبة والإنابة قبل أن يأتيهم العذاب، وإن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها. وفي الحديث الصحيح عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله». رواه مسلم. وفي هذا بيان لقاعدة تحكم قصة وحشي وأمثاله.

العبرة

لم يكن وحشي بعد إسلامه يستطيع أن يُعيد حمزة، لكنه استطاع أن يضع حربته في صف المسلمين، وأن يسهم في إزالة أعظم فتنة بعد وفاة النبي ﷺ: فتنة مسيلمة الكذاب. وفي هذا أن التوبة ليست كلمة تُقال بل سعي في الإصلاح بقدر المستطاع. ولم يمنعه ما فعل من القرب إلى المؤمنين، ولا منعتهم ذكرى حمزة من قبول إسلامه.

العبرة

باب التوبة مفتوح حتى لمن قتل أحب الناس إلى المسلمين، والتوبة الصادقة تتبعها محاولة الإصلاح بما يستطيع التائب. والإسلام يهدم ما قبله، ومن أخطأ بعده فلا يُيأس من رحمة الله ولا يُخرج من الإيمان بالذنب.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه (رواية وحشي)؛ صحيح البخاري وصحيح مسلم (حديث ابن عباس في نزول آيتي الفرقان والزمر في أناس قتلوا وزنوا)؛ صحيح مسلم (كتاب الإيمان: الإسلام يهدم ما قبله)؛ تفسير ابن كثير (الفرقان 68-70، الزمر 53)؛ الاستيعاب لابن عبد البر والإصابة لابن حجر (ترجمة وحشي).

الدرجة: قتل حمزة ثم قتل مسيلمة وقول النبي ﷺ له غيّب وجهك عني: ثابت في صحيح البخاري من رواية وحشي نفسه؛ وحديث ابن عباس في نزول آيتي الفرقان والزمر ثابت في الصحيحين دون ذكر وحشي بالاسم؛ ورواية أن وحشيًّا هو السائل بعينه ضعيفة؛ وخبر شربه الخمر وجلده في كتب التراجم وفيه مقال.