امرأة من أشد أعداء الإسلام
هند بنت عتبة بن ربيعة امرأة أبي سفيان بن حرب، وأم معاوية رضي الله عنه. وكان أبوها عتبة وأخوها الوليد وعمّها شيبة قد قُتلوا يوم بدر مبارزةً وعلانيةً، فقُتل عتبة وشيبة والوليد على يد حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم. وكان حمزة ممن شاركوا في قتل قومها. وهي التي خرجت مع نساء قريش يحرّضن الرجال يوم أحد، ذكر ابن إسحاق أنهن كنّ يضربن بالدفوف ويرتجزن ليشجعن الجيش.
ما جرى بعد أحد
ذكر ابن إسحاق أن هندًا ومن معها من النساء خرجن بعد انتهاء المعركة إلى القتلى، فجعلن يمثّلن بقتلى المسلمين، يقطعن الآذان والأنوف، ويتخذن من ذلك خدمًا وقلائد. وأن هندًا بقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت بأبيات. وهذا الخبر مشهور في كتب السير عن ابن إسحاق وغيره، وفي أسانيد بعض رواياته ضعف، والأكثر على أن التمثيل بحمزة وقع، ومن الأخبار المنقولة أن النبي ﷺ لما رأى حمزة مُثِّل به حزن حزنًا عظيمًا.
وقد نهى النبي ﷺ بعد ذلك عن المُثلة، كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري: «نهى النبي ﷺ عن النُّهبى والمُثلة». فصار ما فعلته هند ومن معها وصمةً في تاريخها الجاهلي، وكان لها دورها في إذكاء المعركة، لكن الله شاء أن تكون خاتمتها غير ذلك.
يوم الفتح: بيعة النساء
لما فتح الله مكة، وأسلم أهلها، أمر النبي ﷺ ببيعة الرجال على الصفا، ثم جاء نساء قريش لبيعة النبي ﷺ. وقد نزل في هذه البيعة قول الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآية، وفيها الاشتراط عليهن ألا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه ولا يعصين النبي ﷺ في معروف.
وذكر ابن إسحاق والطبري وغيرهما أن هندًا جاءت متنكرة منتقبة خوفًا من أن يعرفها النبي ﷺ لما صنعت بحمزة، فلما عرضها النبي ﷺ على الشروط جرى بينهما كلام، منه قولها حين ذكر السرقة: إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي من حرج أن آخذ من ماله ما يكفيني ويكفي بنيّ؟ ولما ذكر الزنا قالت: أوَتزني الحرة؟ ولما ذكر قتل الأولاد قالت: ربيناهم صغارًا وقتلتموهم كبارًا، فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى، وتبسم النبي ﷺ. وهذا الحوار مروي في كتب السير والتفسير بأسانيد فيها كلام، فيُروى ولا يُجزم بألفاظه.
الحديث الصحيح عن إسلامها
أما الثابت في الصحيحين فهو ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يذلّوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يعزّوا من أهل خبائك. فقال رسول الله ﷺ: «وأيضًا، والذي نفسي بيده». أي: وستزيدين حبًّا، وتتمكن المحبة من قلبك أكثر.
ثم قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسّيك، فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ قال: «لا أرى عليك حرجًا أن تطعميهم بالمعروف». وفي لفظ مسلم: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». وهذا الحديث أصل عند الفقهاء في وجوب نفقة الزوجة والأولاد وفي جواز أخذ الإنسان حقه من مال من ظلمه إذا قدر عليه على خلاف بين العلماء في التفاصيل.
ويُستفاد من الحديث أن النبي ﷺ قبل منها إسلامها ولم يعاقبها على ما سلف، ولم يقابل صراحتها بتقريع، بل أجاب بكلمة تُدخل الطمأنينة عليها.
إحراق الصنم في بيتها
ذكر ابن سعد في الطبقات عن هند أنها لما رجعت إلى بيتها جعلت تضرب صنمًا في بيتها بالقدوم فلذةً فلذة وتقول: كنا منك في غرور. وهذا الخبر في كتب الطبقات بإسناد ضعيف، فنذكره بلفظ «يُروى». ومعناه ينسجم مع الثابت من أنها تغيّرت تغيرًا تامًّا.
ما بقي من خبرها
شاركت هند، فيما يذكره المؤرخون، في فتوح الشام، فكانت مع زوجها أبي سفيان في اليرموك تحرّض النساء والمجاهدين. ويذكر بعض المؤرخين أنها حرّضت المجاهدين على الثبات، لكن تفاصيل ذلك تُروى عن الواقدي وهو ضعيف الرواية عند أكثر المحدثين، فلا نعتمدها.
وماتت رضي الله عنها في خلافة عمر، فيما ذكره ابن سعد، في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر، وكان ذلك في سنة أربع عشرة من الهجرة على المشهور.
وقفات
الوقفة الأولى: أن الحقد الجاهلي لا يمنع الهداية، فقد قالت هند عن بيت النبي ﷺ بعد الإسلام ما قالت. وقد عبّرت بالصدق عما كانت تحمله قبل الإسلام: أنها كانت تتمنى لهم الذل. فلم تُخفِ الماضي بل اعترفت به، وهذا من علامات الصدق في التوبة.
الوقفة الثانية: أن النبي ﷺ لم يقابلها بالعتاب، فقال «وأيضًا»، وهي كلمة قصيرة تعدل صفحات في بيان سعة صدره.
الوقفة الثالثة: أن الإسلام جعل لها حقوقًا ولم يمحُ مكانتها، فصارت أمًّا للصحابي الجليل معاوية، وهو كاتب الوحي.
الوقفة الرابعة: أن الله يقلب القلوب، ومن أعظم الأمثلة أن امرأة كانت تتمنى هلاك بيت النبي ﷺ صارت تتمنى عزه.
