ما قبل الندم: كربلاء
في العاشر من المحرم سنة إحدى وستين قُتل الحسين بن علي رضي الله عنهما في كربلاء بجيش أرسله والي الكوفة عبيد الله بن زياد، وفيهم من أهل الكوفة أنفسهم. وكان الحسين قد خرج من مكة إلى العراق لما وصلته رسائل أهل الكوفة تدعوه وتعده بالنصرة، ثم تخلى أكثرهم عنه، وبعضهم قاتله. هذه الحادثة وصفها المؤرخون بتفاصيل كثيرة، والمعتمد فيها أن الحسين قُتل مظلومًا شهيدًا رضي الله عنه، وكان النبي ﷺ يقول فيه وفي أخيه كما في صحيح البخاري: «هما ريحاني من الدنيا».
وروى البخاري عن ابن أبي نعم أنه كان عند ابن عمر رضي الله عنهما فسأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض يصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا». فهذا الحديث الصحيح يبين شدة إنكار الصحابة لما جرى وأن الأمة ظلت تذكر هذه الفاجعة بأسى.
الندم
ذكر الطبري في تاريخه، عن أبي مخنف لوط بن يحيى، أن جماعة من شيعة علي بالكوفة، ممن كانوا قد كتبوا إلى الحسين ثم لم ينصروه، أخذهم ندم شديد وشعروا بأنهم لن يخرجوا من ذنبهم إلا بالقتال والموت. وكان من رؤسائهم سليمان بن صرد الخزاعي، وهو صحابي على المشهور عند ابن حجر وغيره، والمسيّب بن نجبة الفزاري، وعبد الله بن سعد الأزدي، وعبد الله بن وال التيمي، ورفاعة بن شداد البجلي. فاجتمعوا في دار سليمان بعد موت يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، وتدارسوا أمرهم.
ويُروى عن سليمان بن صرد، فيما ذكره الطبري عن أبي مخنف، أنه قال لهم كلامًا معناه: إنا كنا نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، ونمنّيهم النصرة ونحثّهم على القدوم، فلما قدموا ملنا إلى عدوّهم وخذلناهم. ثم تمثل بآية البقرة في توبة بني إسرائيل: ﴿فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾. وهذه الرواية مما تفرد به أبو مخنف فيما نعلم، فتُذكر بصيغة التمريض.
الخروج إلى الشام
ذكر الطبري أنهم أخذوا يعدّون العدة سنة وبعض سنة، وكتبوا أسماء من يخرج معهم، فبلغوا ستة عشر ألفًا في الديوان، ثم لما حان الموعد في ربيع الآخر سنة خمس وستين وجاؤوا إلى النُخيلة، لم يوافِ منهم إلا نحو أربعة آلاف. وهذا كله من رواية أبي مخنف، ولا يمكن الجزم بالأعداد.
ثم ساروا إلى كربلاء، فوقفوا عند قبر الحسين وبكوا عنده طويلًا، ودعوا له وترحموا عليه، وأقاموا يومًا وليلة ثم سار الجيش نحو الشام لقتال عبيد الله بن زياد الذي أُلقيت عليه تبعة مقتل الحسين.
عين الوردة
التقى التوابون بجيش من الشام عند عين الوردة (رأس العين) في جمادى الأولى سنة خمس وستين، وكان الجيش الشامي أكثر منهم عددًا وعدة. قال الطبري: ودارت المعركة أيامًا، ثم قُتل سليمان بن صرد، ومعه المسيّب بن نجبة وعبد الله بن سعد وآخرون، وانسحب بقية الجيش بقيادة رفاعة بن شداد إلى الكوفة، وكان من أمرهم بعد ذلك ما هو معروف في خبر المختار بن أبي عبيد وما تلاه.
كيف نقرأ الخبر؟
أولًا: مصدر هذه القصة الأكبر هو أبو مخنف، وقد قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال: إخباري تالف لا يوثق به. وقد اعتمد عليه الطبري في أخبار كثيرة بإسناده، لكن أهل العلم نبّهوا على الاحتياط فيما ينفرد به. فنحن نروي الخبر على سبيل الاعتبار لا على سبيل التقرير، ونعتمد منه ما استقر عند المؤرخين: وقوع الحركة، ومقتل سليمان بن صرد، ونتيجة المعركة.
ثانيًا: توبة المذنب في الإسلام ليست بطلب الموت ولا بالمغامرة بالنفس، بل هي ندم وإقلاع وعزم على ألا يعود، ورد للحقوق، وطاعة بعد المعصية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾. والآية في بني إسرائيل في اقتلوا أنفسكم كانت شريعة خاصة ببني إسرائيل في سياقها، ولا تُلزم هذه الأمة، ولذلك لا يصح أن يُتخذ الخروج المسلح لمجرد التكفير عن الذنب سنة. وقد اختلف العلماء في تقويم حركتهم: فمنهم من رأى صدق نيتهم وأخطأ تدبيرهم، ومنهم من رأى في الخروج على الدولة آنذاك مخالفة. ولا نقطع في ذلك.
ثالثًا: أن الندم على التقصير في نصرة الحق، حين يأتي بعد فوات الأوان، يؤدي بصاحبه إلى مواقف قد تكون أشدّ كلفة مما لو ثبت في وقته. ولذلك قال العلماء: على المسلم أن يعتبر بما جرى، فيثبت على الحق حين يتبيّن له، ولا يكتب كتب الوعود ثم يتراجع.
التوبة بين الندم والعمل
ومن فقه التوبة أيضًا ما رواه البخاري ومسلم في حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم سأل عن توبة، فدُلّ على عالم قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فلم يُؤمر بأن يقتل نفسه، بل بأن يترك بيئة المعصية ويصحب الصالحين. وهذا هو هدي الشريعة في التوبة.
الدرس
أعظم ما في هذه الحادثة أنها مرآة لخطر الوعد الذي لا يوفى والنصرة التي لا تتم. وقد عبّر ابن عمر رضي الله عنه عن الأمر بلسانه حين رأى في أهل العراق تناقضًا: يسألون عن الصغائر ويستهينون بالعظائم. فالتدين الصحيح لا يتجزأ، ومن خذل أخاه حين يحتاجه فلا يغني عنه ندمه بعد حين إلا أن يتوب توبة صادقة ويقدّم عملًا نافعًا.
