Islamic MixIslamic Mix
‹ التوبة والعبرة
التوبة والعبرةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

سعيد بن جبير: عالم الكوفة الذي ثبت أمام الحجاج

سعيد بن جبير رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من هو سعيد بن جبير؟

هو سعيد بن جبير الأسدي الوالبي، مولى لبني والبة من بني أسد، نشأ في الكوفة، وأخذ العلم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعدي بن حاتم وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وصار من كبار التابعين وأئمة التفسير والقراءة والفقه. روى له أصحاب الكتب الستة.

وكان ابن عباس يجلّه، فيُروى أنه كان إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه قال: أتسألونني وفيكم ابن أم الدهماء، يعني سعيدًا. وهذا الأثر مذكور في كتب التراجم كسير أعلام النبلاء، وفي إسناده كلام، لكن مكانته عند ابن عباس مستفيضة.

وقال ميمون بن مهران رحمه الله: لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه. وهذا منقول عنه في ترجمة سعيد عند أبي نعيم والذهبي، وهو دليل على مكانة الرجل في عصره.

راوية علم ابن عباس

ومن أشهر ما رواه سعيد في الصحيحين خبر سؤاله ابن عباس رضي الله عنهما عن قول نوف البكالي إن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى نبي بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله، ثم روى له حديث أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ في قصة موسى والخضر. وفي هذا مثال على أن سعيدًا كان يتثبت من الأقوال بالرجوع إلى أهل العلم، ولا يقبل كل ما يقال، وأن علم التفسير عنده كان مبنيًّا على النقل لا على الرأي المجرد.

الورع والخشية

ذكر الذهبي وغيره عن سعيد أنه كان من أكثر الناس عبادة وبكاءً، ويقوم الليل، ويُذكر أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين. وروي عنه قوله في تعريف الخشية: الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية. ومن لم يكن كذلك فليس بخاشٍ. وهذا القول مأثور عنه في الحلية وغيرها.

الفتنة وخروجه مع ابن الأشعث

كانت ولاية العراق للحجاج بن يوسف الثقفي، وكان شديد البطش على الخارجين عليه، وفي سنة إحدى وثمانين خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج وعلى عبد الملك بن مروان، وانضم إليه عدد كبير من القراء والعلماء، منهم سعيد بن جبير، لأنهم نقموا على الحجاج ظلمه وتعديه. وكانت الحرب بين الجيشين سجالًا حتى كانت وقعة دير الجماجم سنة ثلاث وثمانين، فانهزم جيش ابن الأشعث وتفرق أصحابه.

وقد وقع اختلاف بين العلماء في هذا الخروج، فكثير من العلماء رأوا أن الخروج على الحاكم الجائر بالسيف يؤدي إلى الفتن العظيمة وسفك الدماء، ولذلك أنكره أهل السنة بعد ذلك. والأمر الذي يحكيه جميع المؤرخين أن سعيدًا كان من المشاركين، وأنه اختبأ بعد الهزيمة.

الاختفاء والقبض عليه

فرّ سعيد إلى أماكن شتى، ثم استقر زمنًا بمكة، يحج ويعتمر، ويعلّم من يأتيه، وهو متخفٍّ. ثم ولي خالد بن عبد الله القسري مكة للوليد بن عبد الملك، فقبض عليه، وبعث به إلى الحجاج في الكوفة أو في واسط. ويُروى أن بعض أصحابه نصحوه بالهرب فقال: والله لقد فررتُ حتى استحييت من الله، وأنه لا مفرّ من قدر الله.

بين يدي الحجاج

روى ابن كثير في «البداية والنهاية» والذهبي في «السير» وغيرهما بأسانيد مختلفة أن الحجاج قال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير. قال: بل شقي بن كسير. قال: أمي كانت أعلم باسمي منك. قال: شقيت أمك وشقيت أنت. قال: الغيب يعلمه غيرك. قال: لأبدلنّك بالدنيا نارًا تلظى. قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا. وذُكر أنه سأله عن رأيه في الخلفاء وعن علي وعثمان، وأن سعيدًا أجابه بما يعلم دون مجاملة.

وفي بعض الروايات أن الحجاج قال له: اختر أي قتلة تريد أقتلك بها. قال: اختر أنت لنفسك يا حجاج، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة. وقال له الحجاج: أتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر.

ولما أُمر بقتله ضحك، فقال الحجاج: ما أضحكك؟ قال: عجبتُ من جرأتك على الله وحلم الله عنك. وفي الرواية أنه قال: اللهم لا تسلّطه على أحد يقتله بعدي. فلما قُتل، بقي الحجاج بعده أيامًا قليلة، مات بعدها بمرض. وهذه من الأخبار المشهورة، قال ابن كثير: إن الحجاج لم يلبث بعد قتله إلا أيامًا حتى مات، وكان يقول في نومه: ما لي ولسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ برجلي. وهذا خبر مروي بلا إسناد قوي.

متى مات وكم عمره

قُتل سعيد في شعبان سنة خمس وتسعين، وله تسع وأربعون سنة على الأرجح، ومات الحجاج في رمضان من السنة نفسها.

ما نأخذه من القصة

هذه الحكايات في تفاصيلها مشهورة وغير مجمع على ألفاظها. والذي يمكن الجزم به: أن سعيدًا قُتل ظلمًا بأمر الحجاج سنة 95، وأنه كان من كبار علماء التابعين، وأنه مات صابرًا ثابتًا، وأن العلماء رحمهم الله اتفقوا على ثنائهم عليه. أما ما كان من مشاركته في فتنة ابن الأشعث فقد أخطأ فيه بنظر كثير من أهل العلم، لكنه تأول، ولا ينقص ذلك من فضله.

ويتجلى في ثباته أنه لم يتراجع عن قول الحق حتى وهو بين يدي السيف، وأنه لم يُظهر الذل لمن ظلمه. وهذه صورة من صور الثبات على الدين عند الابتلاء، وإن لم يكن ذلك بالضرورة مطلوبًا من كل أحد؛ فقد يسع المؤمن أن يتقي بالتورية أو الإخفاء في موضع الإكراه كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. ولكن العزيمة شيء، والرخصة شيء آخر، وكل له أجره.

العبرة

ثبات العالم أمام الظالم عزيمة يُثنى عليها، ومن علامات صدق العلم أن يظهر أثره في الخشية والثبات. والخروج بالسيف على الحاكم الجائر اجتهاد أخطأ فيه بعض السلف، وبابه الفتن وسفك الدماء.

المصدر: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة سعيد بن جبير)؛ حلية الأولياء لأبي نعيم؛ البداية والنهاية لابن كثير (حوادث سنة 95 هـ)؛ طبقات ابن سعد؛ القرآن الكريم: سورة النحل (الآية 106).

الدرجة: أصل القصة (مقتل سعيد بن جبير سنة 95 هـ على يد الحجاج ومنزلته في العلم) ثابت في كتب التراجم والتاريخ؛ أما تفاصيل الحوار بينه وبين الحجاج وضحكه ودعاؤه وهذيان الحجاج بعده فمشهورة في كتب التاريخ بأسانيد فيها ضعف ويختلف لفظها من رواية لأخرى، فنذكرها على سبيل الرواية لا الجزم.