من هو عبد الله بن حذافة؟
هو عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي القرشي، من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدرًا على قول، وهو الذي بعثه النبي ﷺ بكتابه إلى كسرى ملك فارس، كما رواه البخاري في كتاب العلم. وهو الذي أمّره النبي ﷺ على سرية فغضب على أصحابه فأمرهم أن يوقدوا نارًا ويدخلوها، ثم قال النبي ﷺ: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف». رواه البخاري ومسلم.
صاحب السؤال المشهور
وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر، فلما سلّم قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: «من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألونني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا». فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ قال: «أبوك حذافة». فلما أكثر الناس من السؤال برك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا.
وجاء في الحديث نفسه أن أم عبد الله بن حذافة قالت له: ما سمعتُ بابن أعق منك، أأمنتَ أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبدٍ أسود للحقته. هكذا في صحيح مسلم، وهذا يدل على أنه كان صادق الإيمان في تصديق خبر النبي ﷺ.
الأسر عند الروم
الخبر المشهور في ثباته ذكره البيهقي وابن عبد البر وابن كثير والذهبي في «سير أعلام النبلاء»، وملخصه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل جيشًا إلى الروم فيهم عبد الله بن حذافة، فأسره الروم وجاؤوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فعرض عليه الملك أن يتنصر ويشاركه في ملكه، ويزوجه ابنته. فقال عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت. قال: إذن أقتلك. قال: أنت وذاك.
الصلب والسهام
ثم أمر به فصُلب، وأمر الرماة أن يرموه قريبًا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى. ثم أنزلوه، وأمر بقدر من نحاس فصُبّ فيها ماء وأُشعلت عليه النار حتى غلت، ثم دعا بأسيرين من المسلمين فألقى أحدهما فيها وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح. ثم عرض عليه النصرانية فأبى.
لحظة البكاء
ثم أمر به أن يُلقى في القدر، فلما ذهبوا به بكى، فقيل للملك: إنه بكى. فظن الملك أنه جزع، فقال: ردّوه. فسأله: ما أبكاك؟ قال: قلت: هي نفس واحدة تُلقى الساعة في هذه القدر فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تُلقى في الله. وفي رواية أنه قال: إنما بكيت لأنه ليس لي إلا نفس واحدة تلقى في هذه القدر في سبيل الله، وكنت أشتهي أن يكون لي بعدد شعري أنفس تُلقى هكذا.
فقال له الطاغية: هل لك أن تقبّل رأسي وأخلّي عنك؟ فقال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: وعن جميع أسارى المسلمين. قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله، أقبّل رأسه ويخلّي عني وعن أسارى المسلمين، لا بأس بذلك. فقبّل رأسه، فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين.
عند عمر
فقدم عبد الله بالأسارى على عمر رضي الله عنه وأخبره الخبر، فقال عمر: حقٌّ على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام فقبّل رأسه. هذا ما رواه ابن عبد البر وابن كثير وغيرهما.
ما حال هذه الرواية؟
نبّه بعض أهل العلم إلى أن هذه القصة تُروى بأسانيد منقطعة، وأن في بعض تفاصيلها ما يُستغرب، ككيفية إطلاق جميع الأسرى بتقبيل الرأس. فنحن نذكرها لأن لها شهرة في كتب التراجم والتاريخ، وفيها عبرة في الثبات، لكن لا ننسبها إلى الصحيح، ولا نجزم بألفاظ الحوار الذي فيها. والذي لا خلاف فيه أن عبد الله بن حذافة أُسر في بلاد الروم في خلافة عمر، وأن عمر رضي الله عنه كان يعرف له فضله.
وفي الخبر ما يلفت: أن الملك عرض عليه الدنيا بالمُلك والزواج ثم عرض عليه الموت بأشنع صوره، فلم يغيّر ذلك من ثباته. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
وللعلماء كلام في فعل تقبيل رأس الكافر لتخليص الأسرى: قال بعضهم إنه ضرورة جائزة إذا كان فيها نجاة مسلمين، ولا يُتخذ أصلًا لغير الضرورة.
وفاته
توفي عبد الله بن حذافة في مصر في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ذكره ابن سعد وغيره. ولم يُنقل عنه إلا الخير والثبات، وهو من الصحابة الذين لم يتغيروا.
الدرس القرآني
الثبات عند الابتلاء له سند في كتاب الله: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، فالرخصة قائمة لمن أُكره، لكن العزيمة أحب إلى الله، كما فعل ابن حذافة وخبيب وبلال. والعزيمة ليست للجميع، ولا يُلام من أخذ بالرخصة في الإكراه كما جاء في عمار بن ياسر. ولكن من ثبت فله منزلة خاصة.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. فالابتلاء سنة ماضية، والثبات عليه سبيل رفع الدرجات.
