Islamic MixIslamic Mix
‹ التوبة والعبرة
التوبة والعبرةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

أبو محجن الثقفي: مقيّد في القصر يوم القادسية ثم لا يشرب الخمر بعدها

أبو محجن الثقفي رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من هو أبو محجن؟

هو أبو محجن عمرو بن حبيب الثقفي، وقيل اسمه مالك بن حبيب، من ثقيف، أسلم مع قومه سنة تسع حين وفدت ثقيف على النبي ﷺ، وصحّح ابن حجر في الإصابة أنه صحابي. وكان شاعرًا شجاعًا، فارسًا، لكنه ابتُلي بشرب الخمر حتى بعد أن حُرّمت.

تحريم الخمر على مراحل

بيّن القرآن تحريم الخمر على مراحل: ففي سورة البقرة بيّن أن فيها إثمًا كبيرًا ومنافع للناس وأن إثمها أكبر من نفعها، ثم نهى في سورة النساء عن قرب الصلاة في حال السُّكر، ثم جاء التحريم الحاسم في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقد روى البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن الصحابة لما نزل التحريم أراقوا الخمر في سكك المدينة. وكان حد شارب الخمر الجلد. وفي الآية التي تلت التحريم بيان لحكمته: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾، وقد روى أبو داود والترمذي أن عمر رضي الله عنه لما سمعها قال: انتهينا انتهينا.

حياة أبي محجن مع الحدّ

ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب وابن حجر في الإصابة أن أبا محجن كان يُجلد في الخمر مرارًا في عهد عمر رضي الله عنه، فلا يمتنع، حتى إن عمر نفاه إلى جزيرة في البحر، وقيل إلى حصن، فهرب من الموضع ولحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية. وهذه من الأخبار المتداولة، وأسانيدها لا تبلغ الصحة، لكن شهرة شربه للخمر وجلده في كتب التراجم ثابتة بالجملة.

يوم القادسية

سنة خمس عشرة، في خلافة عمر، التقى المسلمون بقيادة سعد بن أبي وقاص مع الفرس في القادسية. وكان سعد مريضًا بالدماميل في ظهره وفخذيه، فلم يستطع الركوب، وكان يشرف على المعركة من قصر، وقد استخلف على القتال خالد بن عرفطة. وذكر الطبري وغيره أن سعدًا حبس أبا محجن في القصر مقيدًا بسبب شربه الخمر.

الشعر والزوجة

لما اشتد القتال سمع أبو محجن صهيل الخيل وقعقعة السلاح، فجعل يقول:

كفى حزنًا أن تردى الخيل بالقنا ... وأُترك مشدودًا عليّ وثاقيا

ثم إنه طلب من زوجة سعد، وهي سلمى بنت خصفة في رواية الطبري، وقيل: أم ولد له، أن تفكّ قيده وتعيره فرس سعد، وعاهدها: إن سلمني الله لأرجعن إليك حتى أضع رجلي في القيد، وإن قُتلت استرحتم مني. فحلّت عنه، وأعطته فرسًا لسعد يقال له البلقاء، فخرج وقاتل قتالًا شديدًا. فجعل سعد ينظر من القصر فيقول: لولا أن أبا محجن في القيد لقلت: هذا أبو محجن وهذه البلقاء. فلما انهزم العدو رجع أبو محجن فوضع رجله في القيد.

ما قاله سعد

فلما جاء سعد وأخبرته سلمى الخبر، قام فأطلق أبا محجن وقال: والله لا أضربك في الخمر أبدًا، أي لا أقيم عليك حدًّا بعد أن أبليت في المسلمين ما أبليت. فقال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدًا، كنت آخذ ما كنت أُحدّ فيه، فأما إذ بهرجتني فلا أشربها أبدًا. وفي رواية أنه قال: كنت أشربها إذ يقام عليّ الحد فأتطهر منها، فأما إذ تخليني من الحد فوالله لا أشربها أبدًا. وهكذا ترك الخمر.

وهذه القصة رواها الطبري في تاريخه وابن عبد البر وابن الأثير بأسانيد فيها ضعف وانقطاع، فهي من الأخبار التي تروى للتأريخ ولا تثبت بها أحكام. وفيها ما يُشكل من جهة الفقه: إذ لا يجوز تعطيل الحدود، ولعل المراد أن سعدًا ترك أن يحدّه على ما فعل عفوًا بعد توبته، أو أنه كان قد جُلد قبل ذلك. وقد أنكر بعض العلماء القصة لمخالفتها المعتاد، ورأى آخرون أنها صحيحة المعنى.

وصية أبي محجن

ذكر أبو الفرج الأصفهاني وغيره في كتب الأدب شعرًا منسوبًا إلى أبي محجن يقول فيه إنه إذا مات يدفنه الناس إلى أصل كرمة، وأنه يخاف ألا يذوق الخمر بعد موته. وهي أبيات مشهورة نُسبت إليه في كتب الأدب، ولا يُعلم تاريخ قولها، فلا تدل بالضرورة على حاله بعد القادسية.

وفاته

اختلف في موضع وفاته: فقيل مات بأذربيجان أو بجرجان في خلافة عثمان، وقيل غير ذلك. ويذكر أهل التراجم أنه ترك الخمر بعد القادسية.

موعظة من القصة

ما أروع الدرس هنا: ترك أبو محجن الخمر حين رُفع عنه الخوف من العقوبة، لا حين وقعت عليه! فلقد تعلّق قلبه بالله، وتحرّكت فيه مراقبة الله عز وجل لا مراقبة السلطان. وهذا هو معنى التوبة الصادقة: أن يترك العبد المعصية لأن الله يراه لا لأن الناس يرونه.

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». وفسّر العلماء ذلك بأنه ينتفي عنه كمال الإيمان لا أصله. وأبو محجن وإن شرب كان مؤمنًا ناقص الإيمان، فلما تاب استكمل ما نقص.

وفي حديث الصحيح عن عبد الله الملقب حمارًا، لما أُتي به مرة بعد مرة في الخمر فقال رجل: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ: «لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله». فلا يجوز احتقار صاحب الذنب إن كان يحب الله ورسوله، بل يُدعى له بالهداية.

العبرة

الذنب لا يُنهي علاقة العبد بربه، ومن أحب الله ورسوله يُرجى له الصلاح، فلا يُلعن بل يُدعى له. وأصدق التوبة ما كان لمراقبة الله لا للخوف من الحدّ.

المصدر: الإصابة لابن حجر والاستيعاب لابن عبد البر (ترجمة أبي محجن الثقفي)؛ تاريخ الطبري (القادسية سنة 15 هـ)؛ صحيح البخاري: كتاب التفسير والأشربة (تحريم الخمر وإراقتها)، وكتاب الحدود (باب ما يكره من لعن شارب الخمر)؛ صحيح مسلم: كتاب الإيمان؛ القرآن الكريم: سورة المائدة (90-91)، سورة البقرة (219)، سورة النساء (43).

الدرجة: قصة قيد أبي محجن وفكه وقتاله في القادسية ثم تركه الخمر مشهورة في كتب التاريخ والتراجم بأسانيد فيها ضعف وانقطاع ولا تثبت بها أحكام، وفيها إشكال فقهي ذكرناه؛ وأحاديث تحريم الخمر ولا تلعنوه ثابتة في الصحيحين.