Islamic MixIslamic Mix
‹ التوبة والعبرة
التوبة والعبرةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

عمرو بن العاص: من النجاشي في الحبشة إلى بيعة «الإسلام يهدم ما قبله»

عمرو بن العاص رضي الله عنه

خصم عنيد

كان عمرو بن العاص السهمي من دهاة قريش وفرسانها، شديد العداء للمسلمين قبل إسلامه. وقد أرسلته قريش مع عبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي في الحبشة بهدايا ليردّ المهاجرين، فلم يفلحا، كما في رواية أحمد عن أم سلمة رضي الله عنها. ثم شهد مع قريش الأحزاب. وكان يقول عن نفسه ما ستسمعه من لسانه في حديث مسلم.

قراره بعد الخندق

روى الإمام أحمد في المسند، وذكر ابن إسحاق وابن كثير ما يقاربه، عن عمرو أنه قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعتُ رجالًا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله إني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوًّا كبيرًا منكرًا، وإني قد رأيت رأيًا فما ترون فيه؟ قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا لأن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: إن هذا الرأي. فجمعنا له أدمًا كثيرًا، وكان الأدم أحب ما يُهدى إليه من أرضنا.

عند النجاشي

قال: فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري، وقد كان النبي ﷺ بعثه إلى النجاشي في شأن جعفر وأصحابه، فدخل عليه ثم خرج من عنده. فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، لو دخلتُ على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأتُ عنها حين قتلت رسول محمد. فدخلتُ عليه فسجدتُ له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئًا؟ قلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدمًا كثيرًا. ثم قربته إليه فأعجبه. فقلت: أيها الملك، إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا.

قال: فغضب، ثم مدّ يده فضرب بها أنفه ضربة ظننتُ أنه قد كسره، فلو انشقت لي الأرض لدخلتُ فيها فرقًا منه. ثم قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ قال: قلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتّبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرنّ على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قال: قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام.

الطريق إلى المدينة

ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عمّا كان عليه، فكتمتُ أصحابي إسلامي. ثم خرجت عامدًا إلى رسول الله ﷺ لأسلم، فلقيتُ خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم، وإن الرجل لنبي، أذهب والله فأسلم، فحتى متى؟ قلت: والله ما جئت إلا لأسلم. فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ، فتقدم خالد فأسلم وبايع، ثم دنوتُ فقلتُ: يا رسول الله، إني أبايعك على أن يُغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر. فقال رسول الله ﷺ: «يا عمرو، بايع، فإن الإسلام يجُبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها». فبايعته ثم انصرفت.

هذه رواية أحمد في المسند، وقد صححها بعض أهل العلم، ورواها الحاكم والطبراني، وهي من رواية عمرو عن نفسه، فننسبها إليه كما رُويت. وتاريخ إسلامه كان في صفر سنة ثمان للهجرة على المشهور، قبل فتح مكة بنحو ستة أشهر.

ما رواه مسلم عن لسان عمرو

وفي صحيح مسلم أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة جعل يبكي ويقول لابنه عبد الله ما قصه: كنتُ على أطباق ثلاث: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار. فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيتُ النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه فقبضتُ يدي، فقال: «ما لك يا عمرو؟» قلت: أردت أن أشترط. قال: «تشترط ماذا؟» قلت: أن يُغفر لي. قال: «أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟».

وكان بعد ذلك ما أحدٌ أحب إليّ من رسول الله ﷺ ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه. ولو متُّ على تلك الحال لرجوتُ أن أكون من أهل الجنة. ثم وليتُ أشياء بعد ذلك ما أدري ما حالي فيها. فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنّوا عليّ التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جَزور ويُقسّم لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.

وهذا نص صحيح ثابت في مسلم، وفيه أروع شهادة على طبيعة الانتقال من العداوة إلى المحبة، ومن الاعتماد على النفس إلى الخوف من الله ورجاء رحمته.

ثناء النبي ﷺ

روى الترمذي وأحمد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص». والحديث غريب، وفي إسناده كلام، وقد حسّنه بعضهم، فنذكره بحذر. وقد أمّره النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل بعد إسلامه بأشهر، كما في الصحيحين، وفي ذلك دلالة على ثقته بكفايته.

الوقفات

أولًا: لم يكن إسلام عمرو عن تقليد ولا حاجة، بل بعد تفكير وبصيرة، رأى فيها عدل النجاشي وصدق ما وصل إليه عن النبي ﷺ.

ثانيًا: اشتراطه المغفرة قبل البيعة كان خوفًا من ذنوب الماضي، فأجابه النبي ﷺ بأن الإسلام يهدم ما قبله. وهذه قاعدة عظيمة في التوبة.

ثالثًا: أن الصحابي الجليل بعد كل مجده وفتوحه بكى عند موته من خوف التقصير، فلا ينبغي أن يغتر أحدنا بعمله.

العبرة

الإسلام يهدم ما قبله، والتوبة النصوح تمحو الماضي مهما عظم. وعمرو، وهو فاتح مصر، بكى عند موته خوفًا من التقصير: فلا يغتر أحد بعمله.

المصدر: مسند الإمام أحمد (حديث عمرو بن العاص في إسلامه عند النجاشي)؛ صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله؛ سيرة ابن إسحاق؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ سنن الترمذي: مناقب عمرو بن العاص؛ صحيح البخاري ومسلم (سرية ذات السلاسل).

الدرجة: حديث وفاة عمرو وبيعته الذي ذكر فيه الأطباق الثلاثة ثابت في صحيح مسلم؛ أما خبر إسلامه عند النجاشي فرواه أحمد وغيره وصححه بعض أهل العلم وفي تفاصيله ما ينفرد به الراوي؛ وحديث أسلم الناس وآمن عمرو غريب في إسناده كلام.