كاتب الوحي الذي ارتد
كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري القرشي قد أسلم قبل الفتح بسنين، وكتب الوحي للنبي ﷺ، ثم ارتد ولحق بمكة. وذكر المفسرون، ومنهم ابن كثير والطبري، في سبب نزول قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ أنها نزلت فيه، وأنه قال كلامًا معناه إنه كان يغيّر ما يملى عليه من خواتيم الآيات فيكتب غيره ويقول لقريش: إني كنت أصرف محمدًا كيف شئت. وهذه الروايات ذُكرت عن ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم بأسانيد لا تصح، وقد استنكرها بعض العلماء، وبعضهم يرى أن الآية عامة في كل من ادعى النبوة كمسيلمة، وبعضهم يجمع بين القولين. فنذكر سبب النزول مع التنبيه على ضعفه وعدم الجزم.
أهدر النبي ﷺ دمه يوم الفتح
الثابت في سنن أبي داود والنسائي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لما كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فيهم. قال سعد: وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فاختبأ عند عثمان بن عفان.
وهذا الحديث صححه بعض أهل العلم، وهو معروف في كتب السنن.
عثمان يشفع
قال سعد: فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به عثمان حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى. فبايعه بعد ثلاث. ثم أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففتُ يدي عن بيعته فيقتله؟» فقالوا: يا رسول الله، ما ندري ما في نفسك، هلّا أومأتَ إلينا بعينك؟ قال: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين».
ويذكر أهل التراجم أن عثمان رضي الله عنه كان أخاه من الرضاعة، وفي حديث أبي داود عن ابن عباس أن عثمان استجار له فأجاره النبي ﷺ.
وأصل الحكم في المرتد قول النبي ﷺ: «من بدّل دينه فاقتلوه» رواه البخاري، لكن العلماء قالوا إن المرتد يُستتاب أولًا، وقد روى مالك في الموطأ أن عمر رضي الله عنه لما أُخبر بقتل مرتد قبل أن يُستتاب قال: هلّا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله. وفي قصة ابن أبي سرح تطبيق عملي لهذا الباب، إذ قُبلت توبته وأُسقط عنه القتل.
الحكمة في الصمت ثلاثًا
قال العلماء في شرح الحديث: كان صمت النبي ﷺ ليترك لأصحابه فرصة أن يتقدم أحدهم فيقتله لو أرادوا، لأن دمه كان مباحًا، ولكن النبي ﷺ لم يكن يريد أن يأمر بقتله وفي نفسه الرغبة في العفو، ولا أن يومئ بالقتل خلاف ما في ضميره، ولذلك نفى أن تكون له «خائنة الأعين»، وهي أن يظهر خلاف ما يبطن. وقد قال أهل العلم إن هذا الحديث أصل في أن الأنبياء لا يكون في أفعالهم خداع وإيماء خفي، وأن الإمام يقبل التوبة ممن ارتد وتاب، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
ويُلاحظ أن النبي ﷺ لم يتخذ هذا الموقف مع ابن خطل ومقيس بن صبابة لأنهما ارتكبا جرائم القتل مع الردة، فقد قتل مقيس رجلًا من الأنصار وارتد، وكان ابن خطل يهجو النبي ﷺ ويقتل. أما ابن أبي سرح فقد جاء تائبًا بشفاعة عثمان.
مصائر الأربعة
لننظر إلى مصير الأربعة الذين ذكرهم سعد في الحديث: عكرمة بن أبي جهل جاء مسلمًا فعفا عنه النبي ﷺ، وعبد الله بن سعد جاء تائبًا فبايعه، أما ابن خطل فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: «اقتلوه». وأما مقيس بن صبابة فقد قُتل في الفتح كذلك على ما ذكره أهل السير. فالحكم كان على وفق الجريمة والتوبة، لا على ظاهر الاسم.
حسن إسلامه
بعد البيعة حسن إسلام عبد الله بن سعد، ولم يُؤثر عنه بعد ذلك ما يعاب في دينه. وولاه عمر بن الخطاب صعيد مصر، ثم ولاه عثمان رضي الله عنه مصر كلها بعد عمرو بن العاص، وفتح الله على يديه إفريقية، وصالح النوبة، وانتصر في معركة ذات الصواري البحرية على الروم سنة 34 هـ، وهي أول معركة بحرية كبرى للمسلمين. وقد فصّلنا بعض ذلك في قصص أخرى.
خاتمته
ذكر الذهبي وابن عبد البر وغيرهما أنه لما وقعت الفتنة بين المسلمين اعتزلها، وسكن عسقلان أو الرملة، وأنه توفي هناك سنة ست وثلاثين أو سبع وثلاثين. ويروى أنه دعا الله أن يجعل خاتمة عمله الصبح، فصلى الصبح فسلّم عن يمينه ثم ذهب يسلّم عن يساره فقبضه الله، رحمه الله. وهذا الخبر في كتب التراجم، وإسناده لا يخلو من نظر، فيُروى على سبيل الذكر.
المعنى
من أجمل ما تعلّمه هذه القصة: أن الردة بعد الإسلام جرم عظيم، ومع ذلك قُبلت التوبة منه. وأن الشفاعة الحسنة في طلب العفو مشروعة، فقد شفع عثمان لأخيه، وقبل النبي ﷺ شفاعته. وأن من الحكمة في السياسة الشرعية أن يُترك للمذنب الباب مفتوحًا إذا ظهر صدقه. وأن الله سبحانه يبدّل سيئات التائب حسنات، فمن كاتب مرتد إلى والٍ مجاهد فاتح.
