شاعر ابن شاعر
كان كعب بن زهير بن أبي سلمى من شعراء العرب المخضرمين، وأبوه زهير بن أبي سلمى صاحب إحدى المعلقات. ومن بيت شعر عريق نشأ كعب، وهجا النبي ﷺ والمسلمين قبل إسلامه. هذه القصة معروفة عند أهل السير بصورة متقاربة، لكنها ليست من الأخبار الصحيحة الإسناد، ولذلك سنروي أصلها المشهور ونبيّن ما نعلمه من حال الرواية.
ما بعد الطائف
ذكر ابن إسحاق في السيرة أنه لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف، كتب بجير بن زهير، وكان قد أسلم، إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالًا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش، ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب، قد هربوا في كل وجه. وقال له: فإن كانت لك في نفسك حاجة فَطِرْ إلى رسول الله ﷺ، فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا، وإن أنت لم تفعل فانجُ بنفسك إلى نجائك.
فأجابه كعب بأبيات يلومه فيها على الإسلام، فلما بلغت النبي ﷺ أهدر دمه، وقال: «من لقي كعبًا فليقتله». فكتب إليه بجير بذلك، وقال له: انجُ ولا تُبعد.
الضيق
يقول ابن إسحاق: فلما جاء كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه وقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بدًّا قال قصيدته التي مدح فيها النبي ﷺ، وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، كما قيل، فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح، فصلّى معه، ثم أشار له إلى النبي ﷺ فقال: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه.
بين يدي النبي ﷺ
فقام إليه حتى جلس بين يديه، فوضع يده في يده، وكان النبي ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ قال: «نعم». قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
فوثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، دعني وعدوّ الله أضرب عنقه. فقال: «دعه عنك، فإنه قد جاء تائبًا نازعًا عمّا كان عليه». هذا ما ذكره ابن إسحاق.
القصيدة
وأنشد كعب بين يدي النبي ﷺ قصيدته المشهورة التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يُفدَ مكبول
وما زال يمضي فيها حتى بلغ قوله:
نُبّئتُ أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
وقال في خاتمتها:
إن الرسول لنورٌ يُستضاء به ... مهنّدٌ من سيوف الله مسلول
ومعنى «مهند» السيف المصنوع بالهند، وقد جعله من سيوف الله لأن الله ينصر به الحق. ومعنى «متبول» أن الحب أسقمه وأضنى قلبه، و«مكبول» أي مقيد لم يُفتدَ، فهو يبدأ بالغزل المعتاد في أول القصائد العربية، ثم ينتقل إلى الاعتذار من النبي ﷺ والمدح. وقوله «نُبّئت أن رسول الله أوعدني» اعتراف بأنه بلغه الوعيد، وإيمانه بأن عفو الرسول ﷺ مرجوّ. وقد اتفقت كتب السير على أن هذه القصيدة قيلت في حضرة النبي ﷺ، وهي تعرف بالبردة، وبانت سعاد.
ما ذكره المؤرخون بعد ذلك
ذكر ابن إسحاق أن كعبًا ذكر في قصيدته الأنصار فقال شيئًا في تعرضه للمهاجرين دون الأنصار، فغضبت الأنصار، ثم مدحهم بعد ذلك بأبيات أخرى قال فيها عنهم خيرًا. وهذه من الروايات المتعلقة بالقصة.
وروى الحاكم في المستدرك وغيره أن النبي ﷺ ألقى على كعب بردته. وقد قيل إن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عرض على كعب عشرة آلاف درهم ثمنًا للبردة فأبى، فلما مات اشتراها من ورثته بعشرين ألف درهم، فهي عند الخلفاء. وهذه الأخبار تروى في كتب التاريخ بأسانيد ضعيفة جدًّا أو منقطعة، ولا يصح منها شيء، والمتفق عليه في كتب السيرة أن القصيدة قيلت وأن النبي ﷺ عفا عن كعب.
درجة الرواية
قال العلماء: أصل القصة، وهو إسلام كعب بعد هجاء النبي ﷺ ومدحه إياه بالقصيدة، مشهور مقبول عند أهل السير، ورواه الحاكم في المستدرك بإسناد فيه ضعف، وأخرجه ابن إسحاق بإسناد منقطع. أما قصة البردة وإلقائها على كعب فهي أضعف من ذلك، وقد أنكرها بعض المحققين، ومنهم من قال إن الرواية فيها ظهرت متأخرة. ولذلك نقرأ هذه القصة على سبيل الاعتبار في توبة الشاعر لا أن نبني عليها حكمًا.
ما يستفاد
الأول: أن المذنب مهما أسرف إذا جاء تائبًا قُبل منه، وأن الرجوع إلى الله بعد الهجاء والأذى ممكن. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾.
الثاني: أن التوبة ينبغي أن تكون علنية فيمن أعلن الذنب، فقد أعلن كعب ذنبه بالهجاء، فجاء النبي ﷺ يعلن توبته بالمدح.
الثالث: أن الكلمة سلاح في الحق وفي الباطل، وأن الله يهدي صاحب اللسان فيجعل شعره في الإسلام، ومن هنا استُنبط جواز الشعر الحسن وإنشاده في المسجد، وقد روى البخاري أن حسان بن ثابت كان ينشد الشعر في مسجد النبي ﷺ.
وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت رضي الله عنه: «اهجُهم وجبريل معك»، مما يدل على أن الشعر المباح في نصرة الدين مقبول، وقد قال كعب بعد إسلامه شعرًا في مدح النبي ﷺ ومدح الأنصار. وتوفي كعب بن زهير، رضي الله عنه، سنة ست وعشرين للهجرة، فيما ذكره بعض أهل التراجم.
