ابن العم والأخ من الرضاعة
هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله ﷺ، وقيل اسمه المغيرة. وكان أخا النبي ﷺ من الرضاعة، إذ أرضعتهما حليمة السعدية رضي الله عنها، كما ذكره ابن عبد البر وابن حجر. وكان شاعرًا من شعراء قريش، وكان شديد الأذى للنبي ﷺ يهجوه ويؤذي أصحابه، وبقي على ذلك قريبًا من عشرين سنة، فيما ذكره ابن إسحاق، ولم يزل على عدائه حتى قبيل فتح مكة.
في طريق الفتح
ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ لما سار إلى مكة عام الفتح لقيه أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وهو ابن عمته عاتكة وأخو أم سلمة، بنيق العُقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلّمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: «لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال».
فلما خرج الخبر إليهما، ومع أبي سفيان ابن له، قال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيدي بنيّ هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رقّ لهما، ثم أذن لهما، فدخلا عليه فأسلما.
نصيحة علي
ويذكر أهل السير أن عليًّا رضي الله عنه نصح أبا سفيان بن الحارث أن يأتي رسول الله ﷺ من قِبَل وجهه فيقول له ما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولًا منه. ففعل. فقال له رسول الله ﷺ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. هذا كله مروي في سيرة ابن إسحاق وفي دلائل البيهقي بأسانيد لا تخلو من ضعف، لكن معناه ينسجم مع عفو النبي ﷺ المشهور عن أهل مكة.
الحياء من النبي ﷺ
ذكر ابن إسحاق أن أبا سفيان بن الحارث أنشد أبياتًا في اعتذاره، يصف فيها ندمه على ما كان من عداوته، ويقول إن الذي هداه إلى الحق هاد غير نفسه، وإن الله دلّه على الإسلام. وقد اعتدّ العلماء بأنه حسن إسلامه، حتى قالوا: كان لا يرفع بصره إلى رسول الله ﷺ حياءً منه، بعد إسلامه. وهذه العبارة مأثورة عنه في كتب التراجم، وتبين مبلغ ما كان يجده في نفسه من ندم.
يوم حنين
ثبت في صحيح مسلم من حديث العباس رضي الله عنه في غزوة حنين، أن المسلمين لما انكشفوا في أول المعركة ثبت النبي ﷺ على بغلته البيضاء، وفي الحديث الآخر عن البراء رضي الله عنه في الصحيحين: وأبو سفيان بن الحارث آخذٌ بلجامها. وقال النبي ﷺ: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». فكان أبو سفيان بن الحارث من الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، ومعه العباس وعلي والفضل وأيمن بن عبيد وغيرهم، وكانوا نحو ثمانين أو مئة على اختلاف الروايات.
وفي حديث العباس عند مسلم أن النبي ﷺ قال له وكان جهير الصوت: «ناد أصحاب السمرة»، يعني الذين بايعوا تحت الشجرة، فنادى: يا أصحاب السمرة، فكأن عطفتهم حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبّيك يا لبّيك. ثم أخذ النبي ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار وقال: «انهزموا ورب محمد». فكان لثبات الصفوة من أهل بيته وأصحابه أثر ظاهر في رجوع الناس.
وفي رواية مسلم عن العباس قال: وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بِلجام بغلته. فالرجل الذي كان يهجوه أصبح الآن ممسكًا بلجام دابته في أشد ساعات الخطر. وهذا تحوّل ظاهر في الموقف.
وقد قال بعض العلماء إنه قد يكون النبي ﷺ أراد تكريمه بذلك، أو لأنه ابن عم فهو أحرص عليه. وهذا اجتهاد في فهم الحدث، ولا حاجة للجزم به.
تنبيه على الاسمين
يلتبس على بعض القرّاء أبو سفيان بن الحارث هذا بأبي سفيان صخر بن حرب والد معاوية رضي الله عنهما. فالأول ابن عم النبي ﷺ من بني هاشم، والثاني من بني عبد شمس، وكلاهما أسلم عام الفتح، لكن الذي ثبت يوم حنين آخذًا بلجام بغلة النبي ﷺ هو ابن عمه أبو سفيان بن الحارث. وإذا قرأتَ في الحديث «أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب» فهو الهاشمي، وهذا يعين على فهم نصوص المغازي والسير.
ما بعد الإسلام
كان رضي الله عنه حسن الإسلام، ويذكر أن النبي ﷺ قال فيه: «أرجو أن يكون خلفًا من حمزة»، وفي سند هذا القول مقال، فلا نعتمده.
وتوفي رضي الله عنه في المدينة سنة عشرين على الأرجح، في خلافة عمر، ودفن في دار عقيل، وقيل إنه حفر قبره بنفسه قبل موته بأيام. وهذا في التراجم، ولا يصح إسناده.
لمحات
الأولى: أن الرحمة قريبة وإن كانت العداوة طويلة، وأن عشرين سنة من الهجاء لم تمنع من قبول التوبة. وإذا كان الله يغفر الشرك لمن تاب فكيف لا يغفر ما دونه؟
الثانية: أن حياء المذنب من نبيّه ومن ربّه علامة حياة قلبه. ولا ينبغي أن يظن التائب أن العفو يعني أن يتبجح بل أن يزداد انكسارًا وحياءً.
الثالثة: أن الجود يعالج كثيرًا من آثار الخصومة. فرق النبي ﷺ لهما لما سمع عزمهما على التيه في الأرض، فكان في رحمته ﷺ ما لا يتسع له الظن.
الرابعة: أن الأقارب لهم حق في الشفاعة، وقد شفعت أم سلمة رضي الله عنها في أخيها وابن عم زوجها، وهذا من حكمة النساء الصالحات.
