خطيب قريش
كان سهيل بن عمرو من سادات قريش وخطبائها، وهو الذي أرسلته قريش في الحديبية لإبرام الصلح مع النبي ﷺ. وقد ورد في الصحيحين، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ومن حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنه اعترض على كتابة «بسم الله الرحمن الرحيم»، وقال: ما أدري ما الرحمن، ولكن اكتب «باسمك اللهم». وعلى عبارة «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله». وقد مرّ تفصيل ذلك في قصة صلح الحديبية، ونحن هنا نعرض الجانب الآخر من حياته: توبته وثباته.
يوم بدر
كان سهيل بن عمرو من أسرى بدر. وذكر ابن إسحاق، وهو مروي في كتب السير، أن عمر رضي الله عنه قال للنبي ﷺ: يا رسول الله، دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو، فيدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبًا في موطن أبدًا. فقال رسول الله ﷺ: «لا أُمثّل به فيُمثّل الله بي وإن كنت نبيًّا». وهذه الرواية رواها ابن إسحاق، وفي سندها مقال. ومع ذلك فهي تنسجم مع نهي النبي ﷺ عن المُثلة المروي في الصحيح.
ثم فُدي سهيل بمال، كما هو معروف في أخبار أسرى بدر.
ابنه أبو جندل
وفي حديث الحديبية في البخاري أن سهيلًا لما فرغ من كتابة الصلح جاء ابنه أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ. ثم قام إلى أبي جندل فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، فجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأُرَدّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم. فقال النبي ﷺ: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا». فكان سهيل في هذا الموقف خصمًا شديدًا، ثم رأى بعد سنتين كيف تحقق الفرج، وكان ابناه عبد الله وأبو جندل من أهل الإسلام.
يوم الفتح
ذكر ابن إسحاق أن سهيلًا لما دخل النبي ﷺ مكة أغلق عليه بابه، وأرسل إلى ابنه عبد الله بن سهيل، وكان قد أسلم مبكرًا وهاجر إلى الحبشة، يطلب الأمان. فكلم عبد الله رسول الله ﷺ فقال: «هو آمن بأمان الله، فليظهر». وقال لمن حوله: «من لقي سهيل بن عمرو فلا يشدّ إليه النظر، فلعمري إن سهيلًا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن بنافعه». فخرج سهيل يقول: كان والله برًّا صغيرًا وكبيرًا. هكذا في السيرة بإسناد فيه مقال.
ثم شهد حنين مع المسلمين، وأعطاه النبي ﷺ من الغنائم مئة من الإبل تأليفًا لقلبه، كما ذكر أهل السير. وفي صحيح مسلم من حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ أعطى أبا سفيان وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل واحد مئة من الإبل. وذكر ابن إسحاق في جملة المعطين سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى والحارث بن هشام، فالمؤلفة قلوبهم جزء من هدي النبي ﷺ في استمالة الكبراء.
سهيل يصلّي ويصوم ويجتهد
قال ابن سعد ونقل عنه غيره أن سهيلًا بعد إسلامه كان كثير الصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن، وأنه كان يبكي كثيرًا عند سماع القرآن. وهذا من كتب الطبقات بإسناد ضعيف، فنذكره ولا نجزم به. ومعناه يتفق مع حاله.
ثباته بعد وفاة النبي ﷺ
هذا هو أشهر ما يذكر في سيرة سهيل. فقد ذكر ابن كثير وابن سعد وغيرهما أنه لما توفي النبي ﷺ سنة إحدى عشرة وبلغ مكة، اضطرب الناس، وهمّ بعضهم بالارتداد، وتوارى عامل النبي ﷺ على مكة عتاب بن أسيد خوفًا. فقام سهيل بن عمرو خطيبًا في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال ما معناه: يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد! والله إن هذا الدين ليمتد امتداد الشمس والقمر من طلوعها إلى غروبها، وقد توفي رسول الله ﷺ ولكن الله حي لا يموت، فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. فسكن الناس وثبتوا وظهر عتاب بن أسيد.
وأصل هذه الخطبة مذكور في كتب السير بصيغ مختلفة، وبعض ألفاظها شبيهة بما قاله أبو بكر الصديق في المدينة، وفي ذلك تنبيه على أن بعض الرواة قد يدخل بعض الألفاظ في بعض. ولهذا نذكرها بمعناها، ونعتمد على الحاصل: أن سهيلًا كان من الثابتين في مكة بعد الوفاة، وهذا قاله جماعة من المؤرخين.
الثبات في الجهاد
خرج سهيل بعد ذلك إلى الشام مجاهدًا، وقد استشهد ابنه عبد الله بن سهيل يوم اليمامة، وكان من الأوائل الذين أسلموا. وذكر أهل السير أن سهيلًا شهد اليرموك أو أجنادين، وتوفي في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وقيل غير ذلك.
الفوائد
الأولى: أن الكبرياء الجاهلي كان يمنع الرجل من كتابة «بسم الله»، ثم يصير هو من أشد الناس تمسكًا بكلمة التوحيد بعد ذلك. والفرق بين الموقفين أن القلب انشرح.
الثانية: أن للإسلام تأثيرًا في تقويم الخطباء، فسهيل الذي كان خطيبًا ضد النبي ﷺ صار خطيبًا لتثبيت الناس على الإسلام.
الثالثة: أن العفو النبوي كان حافزًا للتغيير. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
