الرجل الذي كان في عيال أبي بكر
كان مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب ابن خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كما في الصحيح، وكان من فقراء المهاجرين الذين شهدوا بدرًا، وكان أبو بكر يُنفق عليه لقرابته وفقره. وهذه الصلة تعطي القصة بُعدًا خاصًا، إذ خانته الحال في ساعة امتحان، وأخطأ في حق ابنة المنفِق عليه.
حادثة الإفك
في غزوة بني المصطلق سنة خمس أو ست، على الخلاف، أُشيع في المدينة حديث الإفك عن عائشة رضي الله عنها، فتولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول، وخاض فيه ناس منهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش. وقد رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها في حديث طويل مشهور، وفيه أن النبي ﷺ لبث شهرًا لا يُوحى إليه في شأنها، حتى نزلت براءتها من فوق سبع سماوات في سورة النور. وقد أفردنا قصة الإفك في موضع آخر، وهنا نعالج ما بعدها.
ما قالته عائشة عن مسطح
وفي الحديث نفسه أن عائشة رضي الله عنها عثرت وهي ذاهبة لقضاء حاجتها بعد رجوعها من الغزوة في مرط أم مسطح، فقالت أم مسطح: تعس مسطح. فقالت لها عائشة: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت أم مسطح: أي هنتاه، ألم تسمعي ما قال؟ وأخبرتها بقول أهل الإفك. وفي الموقف دلالة على مكانة أهل بدر عند الصحابة، حتى إن عائشة ردّت السب عن مسطح قبل أن تعلم بخبره.
قرار أبي بكر
قالت عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك عند البخاري: وكان أبو بكر ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، فقال: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجّع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا. وهذا نص الصحيح.
وجه العتاب والمدح
لم يقل القرآن «ولا يحلف أبو بكر» بل قال ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾، فوصف أبا بكر ومن مثله بأنهم أولو الفضل والسعة، وهذا مدح، ثم نهاهم عن أن يحلفوا على ترك الإحسان لمن أساء. وذكر ابن كثير في تفسير الآية أنها نزلت في الصديق حين حلف ألا ينفع مسطحًا بنافعة أبدًا، وبيّن أن في قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ معنى أن الجزاء من جنس العمل، فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه.
وقد استدل العلماء بالآية على مشروعية الحنث في اليمين إذا كان الحنث خيرًا، كما في حديث الصحيحين: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه». وقد ذكر بعض المفسرين أن أبا بكر كفّر عن يمينه.
حدّ القذف
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها: لما نزل عذري قام النبي ﷺ على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضُربوا حدّهم. وهم مسطح وحسان وحمنة. وقد قال بعض أهل العلم في سند هذا الحديث مقالًا، وصححه بعضهم، والمسألة معروفة في كتب الفقه. ومن هنا يتبين أن مسطحًا نال عقوبته ثم عفا أبو بكر عنه بما يتعلق بالنفقة، فاجتمع العدل والإحسان.
تفسير ابن كثير في العفو
ذكر أهل التفسير أن في الآية دعوة إلى أن يكون المؤمن أقرب إلى العفو، وأن الله علّق مغفرته بالصفح، وأن الرجل الكريم قد يمنعه ألمه من الإحسان، لكنّ الشرع يعلّمه أن يترفع. فمسطح لم يكن عدوًّا لعائشة، وإنما جرفه التيار وسمع فتحدث، وقد حذّر الله في أول الآيات: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾. فهذه آية تربي على حسن الظن بالمؤمنين.
درس آخر من الحديث نفسه
ومن فقه عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح نفسه، أنها لما ذُكر حسان بن ثابت عندها وكان ممن خاض في الإفك، نهت عن سبّه وقالت كما في البخاري: لا تسبّه فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ. وأما زينب بنت جحش، وهي التي كانت تضاهي عائشة في المنزلة عند النبي ﷺ، فقد سألها النبي ﷺ عن عائشة فقالت: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع. فهؤلاء جميعًا يدلون على أن العفو والإنصاف خلق الصالحين حتى مع من أساء إليهم.
مصير مسطح
شهد مسطح بن أثاثة المشاهد مع النبي ﷺ، ونُقل أنه توفي سنة أربع وثلاثين، وهو ابن ست وخمسين، على ما ذكر ابن سعد، وقيل غير ذلك، ولا يثبت. وقد ذكر العلماء أن الله سماه من المهاجرين في سبيل الله في الآية، فتوبته وقبول الله له ظاهران.
وقفات
الأولى: أن الحادثة الواحدة قد تُخرج من الإنسان أحسن ما فيه أو أسوأه. فخرج من أبي بكر ما يليق بالصديق، فعاد إلى الإحسان بأمر القرآن، ولم يتأخر لحظة.
الثانية: أن الإساءة إلى أهل الفضل لا تسقط حقوق القرابة، ولا تُنسي الإحسان القديم.
الثالثة: أن من رحمة الله أن لا يقطع صلة الرحم حتى في أوج الغضب، ولذلك جاءت الآية تعلّم المحسنين أن الإحسان إلى المسيء من أقوى أسباب مغفرة الله.
