ما يرويه الحديث الصحيح
روى النسائي والحاكم وابن جرير وغيرهم، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن فلانًا قد ندم، وإنه أمرنا أن نسألك: هل له من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فأرسل إليه قومه فأسلم. وقد صحح الحاكم هذا الحديث ووافقه الذهبي، وهو معروف عند المفسرين.
تعيين صاحب القصة
لم يسمَّ الرجل في هذا الحديث، لكن جمعًا من المفسرين ذكروا أنه الحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري، وهو الذي قتل المجذّر بن ذياد البلوي يوم أحد غدرًا، لأن المجذّر كان قد قتل أباه سويد بن الصامت في الجاهلية في حروب الأوس والخزرج. ثم لحق بالمشركين بمكة مرتدًا، ثم ندم وكتب إلى أخيه الجلاس بن سويد أن يسأل له رسول الله ﷺ عن التوبة.
وفي السيرة أن النبي ﷺ أمر بقتل الحارث قصاصًا بالمجذر حين عاد، وذكر بعض أهل السير أن الذي ضرب عنقه عويم بن ساعدة. وهذا مذكور في كتب السير، ويُفهم منه أن قبول التوبة لا يسقط حق الآدمي في القصاص.
وروى ابن جرير عن مجاهد في سبب نزول الآيات أن الحارث بن سويد ارتد ولحق بمكة، فنزلت الآيات، فحملها رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة. فرجع فأسلم وحسن إسلامه. وهذه رواية فيها إرسال، فتُذكر للاعتبار. ونحن لا نجزم بالتفاصيل، فإن نسبة الآيات إلى الحارث على وجه التعيين فيها خلاف وضعف، ولذلك صدّرنا الحديث بذكره مبهمًا كما في الرواية الصحيحة.
معاني الآيات
قال تعالى في آل عمران: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وهذا استبعاد لهداية من ارتد بعد أن شهد وعرف وجاءته البينات، وفيه وعيد: أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها. ثم جاء الاستثناء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قال ابن كثير: هذا استثناء من الله لمن تاب من المرتدين، فإنه يتوب الله عليه ويقبل منه. وهو دليل على أن باب التوبة مفتوح للمرتد، وإن كان الأصل في المرتد أن يستتاب. أما قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ فقد ذكر المفسرون فيه أقوالًا، منها: أن المراد من ماتوا على كفرهم، أو الذين تابوا عند حضور الموت، أو أن المراد اليهود الذين كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ، وأن التوبة المردودة هي التي لا يصحبها إصلاح.
هل يستتاب المرتد؟
روى مالك في الموطأ في قصة الرجل الذي بلغ عمر قتله بعد ردته، قول عمر: هلّا حبستموه ثلاثًا واستتبتموه. وهذا الأثر محل استدلال عند كثير من الفقهاء على استتابة المرتد، وقد اختلفوا في مدة الاستتابة ووجوبها. وفي قصة هذا الأنصاري ما يشهد لذلك، إذ جاء قومه فسألوا النبي ﷺ، وجاءت الإجابة من الله.
إلى متى تُقبل التوبة؟
بيّن القرآن أن التوبة لا تنفع من مات على الكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ﴾. وفي السنة أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، رواه الترمذي وحسّنه من حديث ابن عمر، وأن باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها كما في صحيح مسلم. فالمهلة قائمة ما دام العبد حيًّا، والعاقل من بادر قبل أن ينقطع الأجل.
الدرس
هذه الحادثة دليل على أن الرجل الذي ارتد وعاد إلى الشرك يمكن أن يعود إلى الله ويقبله، وأن الندم مفتاح العودة. وأنه لا يُشترط للتوبة في الإسلام وسيط، لكن يجوز للمرء أن يستعين بقومه في الاستفسار. وأن الله هو الذي ينزل جوابه بنفسه، فلا يحتاج العبد إلى واسطة بينه وبين ربه في قبول التوبة، وإنما يجتهد في الرجوع إليه: فالتوبة ليست مبنية على رأي بشر بل على فضل الله ورحمته.
وفي الأحاديث الصحيحة، في حديث الرجل الذي قتل مئة نفس، أن العالم قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ وهذا الخطاب نفسه كان للمرتد المتحسّر.
ملاحظة ختامية
ينبغي أن لا يفهم القارئ أن الردة سهلة أو أن التوبة منها أمر هيّن حتى يتساهل بها. فالقرآن شديد في وعيد المرتدين، والتوبة تقتضي الإقلاع والعمل الصالح. وقد قال تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾. فالإصلاح جزء من التوبة، ومن لم يُصلح ما أفسد لم تتم توبته.
