وفد عبد القيس
كانت عبد القيس قبيلة عظيمة من ربيعة، تسكن البحرين وما حولها في شرق الجزيرة العربية. وقد جاء وفدها إلى النبي ﷺ، وروى حديثهم البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال النبي ﷺ لما رآهم: «مرحبًا بالقوم، أو بالوفد، غير خزايا ولا ندامى». قالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شُقّة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة.
فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس». ونهاهم عن الدُّبّاء والحنتم والنقير والمزفّت، وهي أوعية كانت تُنبذ فيها الأنبذة المسكرة. وقال: «احفظوه وأخبروا به من وراءكم».
أشج عبد القيس
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لأشج عبد القيس، وهو المنذر بن عائذ: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلم والأناة». فقال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جبلك عليهما». فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. وهذا الحديث يبين أن قبيلة عبد القيس كانت فيها أخلاق رفيعة قبل الإسلام، وأن الإسلام أتمها.
الجارود بن المعلى
كان في هذه القبيلة سيد نصراني يقال له الجارود بن المعلى العبدي، واختلف في اسم أبيه، فقيل الجارود بن عمرو بن حنش، وقيل ابن بشر بن المعلى. ذكر ابن إسحاق وغيره أنه قدم على النبي ﷺ في وفد عبد القيس وكان نصرانيًّا، فعرض عليه النبي ﷺ الإسلام، فأسلم وحسن إسلامه. وفي رواية أنه قال: إني كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي ديني؟ قال: «نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه». وهذه الرواية ضعيفة الإسناد، ولكنها تتفق مع الثابت من أن الدخول في الإسلام لا يكون عن إكراه، ولا إلى مجهول.
موت النبي ﷺ واضطراب البحرين
بعد وفاة النبي ﷺ سنة إحدى عشرة ارتدت قبائل في الجزيرة، وكان في البحرين اضطراب. ذكر الطبري عن سيف بن عمر أن الجارود قام في قومه عبد القيس، وهم على الإسلام لكن بعضهم متردد، فقال لهم: أيها الناس، إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن كنتم تعلمونه، ولا تجيبوني إن لم تعلموا. تعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا: نعم. قال: تعلمونه أم ترونه؟ قالوا: نعلمه. قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا. قال: فإن محمدًا ﷺ مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنت سيدنا وأفضلنا. فثبتوا على الإسلام.
وهذه الرواية يرويها الطبري عن سيف بن عمر، وسيف قد ضعّفه جمع من أئمة الحديث في الرواية، ولكنه عمدة في أخبار الردة والفتوح عند المؤرخين، وقد نبّه أهل العلم على التحرز فيما ينفرد به. فنقول: يُروى، ونكتفي بالمعنى.
جؤاثى
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن أول جمعة جُمّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجُؤاثى من البحرين. وهذا حديث صحيح ثابت. وقد استدل به الفقهاء على صحة إقامة الجمعة في القرى والبلدان الصغيرة، ودلالته المتعلقة بقصتنا أن عبد القيس بقيت متمسكة بإقامة الجمعة، وأن البحرين فيها من أهل الإسلام من حافظ على صلاته بعد النبي ﷺ. وقد رُوي أن جؤاثى حاصرها المرتدون من بني بكر بن وائل، ثم فك الحصار على يد العلاء بن الحضرمي الذي بعثه أبو بكر، وذلك في كتب التاريخ.
رأي العلماء في الحدث
يقف المؤرخ عند الردة فيرى فيها فتنة عظيمة، ويقف المحدّث فيرى أن الله ثبّت جماعات كثيرة على الإسلام بعد النبي ﷺ، ومنهم عبد القيس وأهل مكة والطائف والمدينة. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. وقد قرأ أبو بكر هذه الآية يوم وفاة النبي ﷺ كما في صحيح البخاري، فكأن الجارود استحضر المعنى نفسه في البحرين.
خاتمة الجارود
استشهد الجارود في خلافة عمر بن الخطاب في بلاد فارس، يقال في موضع اسمه عقبة الطين أو أرسيان، وقيل: سقط عن فرسه من مكان عال فمات. ذكره ابن عبد البر وابن حجر، واختلفوا في وفاته، فلا يُجزم بشيء من ذلك.
الدرس
أولًا: أن الإسلام يدخل القلوب عن علم وبصيرة، كما دخل الجارود بعد أن كان نصرانيًّا، وأنه لا إكراه في الدين.
ثانيًا: أن الإيمان قد يحتاج إلى من يقوم في الناس ساعة الفتنة، فيذكّرهم بالحق وبأن الأنبياء ماتوا قبل محمد ﷺ وأن الله حي لا يموت. وقد كان هذا دور أبي بكر في المدينة، ودور الجارود في البحرين فيما يُروى.
ثالثًا: أن الصحابي الجليل لم يكن ثباته بالقوة وحدها، بل كان بالعلم والسؤال والحكمة. وفي سؤاله لقومه «أتعلمونه أم ترونه؟» تعليم لأسلوب الدعوة بالأسئلة التي تقود السامع إلى الجواب بنفسه.
