أخو أبي جهل
كان الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي أخا أبي جهل لأبيه وأمه، وأخًا لعياش بن أبي ربيعة لأمه. وقد خرج مع قريش إلى بدر، وكان له موقف ذكره ابن إسحاق في السيرة: أنه فرّ من المعركة بعد أن رأى هزيمة قومه، وتخلّى عن أخيه أبي جهل. وقد عيّره بذلك حسان بن ثابت رضي الله عنه بأبيات هجاه فيها، ثم أجابه الحارث بأبيات اعتذر فيها أنه ما ترك القتال إلا لما علاهم المسلمون. وهذا من أخبار السير التي لا تثبت بإسناد قوي.
خدعة عياش
سبق أن ذكرنا في قصة أخرى أن أبا جهل والحارث بن هشام خرجا إلى المدينة وكلّما عياش بن أبي ربيعة، أخاهما لأمهما، وزعما له أن أمه نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراه، فرق لهما، فخرج معهما ثم أوثقاه وفتناه في دينه، كما ذكر ابن إسحاق في رواية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان الحارث ممن شارك في هذه الخدعة بحسب هذه الرواية، وفيها ضعف. فهذا هو الحارث قبل الإسلام: أحد أعيان قريش، ومن المحاربين للإسلام.
يوم الفتح: الحارث عند أم هانئ
في صحيح البخاري عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: ذهبتُ إلى النبي ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره، فسلمتُ عليه، فقال: «من هذه؟» فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب. فقال: «مرحبًا بأم هانئ». فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي أنه قاتل رجلًا قد أجرتُه، فلان بن هبيرة. فقال رسول الله ﷺ: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ». قالت أم هانئ: وذلك ضحى.
والذي أجارتهما أم هانئ، ذكر ابن إسحاق في السيرة أنهما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية، وكانا قد لجآ إليها، وأن عليًّا رضي الله عنه هم بقتلهما فأغلقت بابها دونهما. وفي رواية البخاري ذكر «فلان بن هبيرة»، فتتعدد الأسماء في الروايات، ولعل في الأمر أكثر من رجل، والله أعلم. وأصل الحديث ثابت في الصحيحين، وفيه دلالة على أن أمان المرأة المسلمة نافذ. وهو موافق لقول النبي ﷺ في الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم»، أي إن أمان أي مسلم، رجلًا كان أو امرأة، يلزم جميع المسلمين، فلا يجوز لأحد أن ينقضه. وقد رأى الفقهاء في ذلك أصلًا في باب الأمان والموادعة، وفيه أن الشريعة تحفظ العهد حتى مع الأعداء.
إسلام الحارث وسؤاله النبي ﷺ
أسلم الحارث بن هشام يوم الفتح، وأعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين، كما ذكر أهل السير. وأشهر ما يُروى في الصحيح عنه أنه سأل النبي ﷺ عن الوحي. روى البخاري في أول صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فيُفصم عني وقد وعيتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول». قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا.
وفي هذا الحديث ما يكفي لفهم حال الحارث بعد الإسلام: رجل كان بالأمس يحارب الوحي، وهو اليوم يسأل رسول الله ﷺ عن كيفية نزوله ليتعلم. وهذا حديث عظيم من أصول معرفة النبوة، لأنه يصف أحوال الوحي، وبه ندرك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون النبي ﷺ عما يشكل عليهم ويتعلمون منه كل شيء.
الهجرة إلى الشام
ذكر ابن عبد البر وابن حجر وغيرهما أن الحارث بن هشام خرج بعد وفاة النبي ﷺ إلى الشام مجاهدًا، وأقام بها، ويذكر أهل التراجم أن أهل مكة شيّعوه حين خرج لمكانته فيهم.
وتوفي في الشام، قيل: في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وقيل: استشهد يوم اليرموك أو يوم أجنادين.
قصة الماء المشهورة
ويذكر بعض المؤرخين خبرًا عن ثلاثة من الجرحى يوم اليرموك سُقوا الماء ولم يشرب أحدهم، إذ كان كل منهم يشير إلى الآخر قائلًا: ابدأ بفلان، ثم ماتوا جميعًا قبل أن يشربوا. وقد ذكروا في أسمائهم الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة في رواية، وفي رواية أخرى سهيل بن عمرو. وهذا الاضطراب في الأسماء يدل على أن الخبر لا يثبت بإسناد صحيح، ولذلك نذكره لبيان شهرته فقط. ومعناه من أجل ما يُحكى في الإيثار، لكن لا تُنسب هذه التفاصيل إلى فرد بعينه.
لمحة عن ابنته أم حكيم
وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام رضي الله عنها زوجة عكرمة بن أبي جهل، وقد سبق ذكر دورها في طلب الأمان له يوم الفتح، وهي ممن أسلمت يوم الفتح. فاجتمع في هذا البيت: الأب وزوج الابنة وابنة الأب في الإسلام بعد أن كانوا على الشرك، وهذه من مفاخر البيوت.
دروس
الأول: أن الإنسان لا يُحكم عليه بماضيه إذا تاب، وأن الإسلام يجبّ ما قبله. فلئن عُيّر الحارث بفراره يوم بدر، فقد نال شرف الصحبة وجاء يتعلم من رسول الله ﷺ.
الثاني: أن الأمان الذي تعطيه المرأة المسلمة يمضي، والدين يحمي حق الأمان.
الثالث: أن السؤال عن كيفية الوحي هو من أرقى الأسئلة، لأنه يدل على رغبة في معرفة النبوة معرفة صحيحة، وأن الله تعالى جعل لنبيه ﷺ ميزات في تلقي الوحي، ودلّ على ذلك بمثل هذا الحديث.
