Islamic MixIslamic Mix
‹ التوبة والعبرة
التوبة والعبرةمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

هبّار بن الأسود: الذي روّع زينب ابنة النبي ﷺ ثم جاءه مسلمًا فعفا عنه

هبّار بن الأسود رضي الله عنه وزينب بنت رسول الله ﷺ

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

أسير بدر وقلادة خديجة

كانت زينب رضي الله عنها كبرى بنات النبي ﷺ، وزوجها أبو العاص بن الربيع، وقد بقيت بمكة بعد هجرة أبيها، لأنها كانت متزوجة من رجل لم يكن قد أسلم. فلما كان يوم بدر وقع أبو العاص في الأسر، فبعثت زينب في فدائه بمال، وبعثت فيه بقلادة كانت لخديجة رضي الله عنها أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها. روى ذلك أبو داود في سننه من حديث عائشة رضي الله عنها وحسّنه أهل العلم، وفيه: فلما رآها رسول الله ﷺ رقّ لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا». فقالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردوا عليها ما لها.

وقد أخذ النبي ﷺ عليه العهد، أو اشترط عليه، أن يخلّي سبيل زينب إليه، فوعده أبو العاص بذلك. هكذا ذكر ابن إسحاق، فبعث النبي ﷺ زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار ليصحباها من مكة.

الاعتداء على زينب

وذكر ابن إسحاق أن زينب خرجت من مكة بعد ذلك تجهزت للهجرة، وخرج بها كنانة بن الربيع أخو زوجها يقود بها بعيرًا نهارًا وهو متقلد قوسه وكنانته. فتحدث بذلك رجال من قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى، وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد ونافع بن عبد قيس الفهري، فروّعها هبار بالرمح وهي في هودجها. وكانت حاملًا، فيقال إنها طرحت حملها لما وقعت. وهذا الخبر عند ابن إسحاق، وفي صحة ما ذُكر من إسقاط حملها كلام عند أهل العلم، فالأقرب أن الاعتداء وقع، وأن روايته مشهورة، أما ما تعلق بالإجهاض فأضعف.

فبرك كنانة وأنثر كنانته وقال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهمًا. فتكركر الناس عنه. وجاءه أبو سفيان بن حرب في جلة من قريش فقال: أيها الرجل كفّ عنا نبلك حتى نكلمك. فكفّ، فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا، فارجع بالمرأة، فإذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلّها سرًّا والحقها بأبيها. ففعل.

حكم النبي ﷺ على هبّار

لما بلغ النبي ﷺ ما جرى لزينب غضب غضبًا شديدًا. وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: «إن وجدتم فلانًا وفلانًا، لرجلين من قريش سماهما، فأحرقوهما بالنار». قال: ثم أتيناه نودّعه حين أردنا الخروج، فقال: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما». وذكر ابن حجر في شرحه أن الرجلين هما هبار بن الأسود ونافع بن عبد قيس، نقلًا عن ابن إسحاق وغيره.

وهذا الحديث يجمع حكمين: أن النبي ﷺ أهدر دم من اعتدى على ابنته ظلمًا وهي في طريق الهجرة، وأن التعذيب بالنار محرّم، حتى للمجرمين، وأنه لا يعذب بها إلا رب النار.

الفتح والإسلام

لما كان يوم فتح مكة فرّ هبّار، ثم لحق بالنبي ﷺ وهو بالمدينة بعد ذلك، ويذكر ابن سعد وابن عبد البر وغيرهما أنه قدم عليه، وقال: السلام عليك يا نبي الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وقد هربت منك في البلاد، وأردت اللحاق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمن جهل عليك، وكنا يا نبي الله أهل شرك فهدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلكة، فاصفح عن جهلي وعما كان يبلغك عني، فإني مقرّ بسوء فعلي، معترف بذنبي. فقال رسول الله ﷺ: «قد عفوتُ عنك، وقد أحسن الله إليك حين هداك للإسلام، والإسلام يجبّ ما قبله».

وهذا الخبر في كتب الطبقات والسير بأسانيد ضعيفة، ومنهم من ذكره من غير إسناد، لكن لا تعارض فيه أصل ثابت، إذ قد ثبت عفو النبي ﷺ عن كثير ممن آذاه بعد إسلامهم. ولذلك نرويه بصيغة «يُروى».

موقع القصة من موضوع الحدود

هذه الحادثة تثير مسألة فقهية: كيف عفا النبي ﷺ عن رجل أهدر دمه؟ قال بعض أهل العلم إن الأمر بقتله كان جزاءً على الاعتداء على بنت النبي ﷺ في طريق هجرتها، فلما أسلم وتاب كان للنبي ﷺ أن يعفو عنه، إذ الإسلام يهدم ما قبله.

ولا ينبغي أن يؤخذ العفو على غير وجهه، فقد حفظ الله لزينب مكانتها، وكانت أحب بنات النبي ﷺ إليه كما ذكر بعض أهل السير. وجاء في بعض الروايات المرسلة أنه قال فيها بعد وفاتها: «هي أفضل بناتي أصيبت فيّ». وهذا الخبر ضعيف الإسناد، لكنه مشهور ويدل على محبة النبي ﷺ لابنته.

وفاة زينب

توفيت زينب رضي الله عنها في السنة الثامنة للهجرة، وثبت في صحيح البخاري عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني». فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال: «أشعرنها إياه». وفي الرواية: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها». وفي رواية مسلم أن ابنته هذه هي زينب. ومن هذا يتبين أن النبي ﷺ حضر تجهيز ابنته وباشر أمرها بنفسه، وفي ذلك دلالة على البر والعناية.

وقد ثبت أن أبا العاص بن الربيع أسلم وردّ النبي ﷺ زينب إليه، رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما، وفيه خلاف بين أهل العلم في صفة الرد، وقد جمع بعضهم بين الروايات.

الدرس

من أجمل الدروس في القصة أن النبي ﷺ كان شديد الغضب لحرمة أهل بيته حين كان الحق للمظلوم، وكان سريع العفو حين جاء الظالم تائبًا. والتوازن بين العدل والرحمة من أخص صفات الشريعة. وفيه أن الأذى الذي يصيب أهل الإنسان لا يجوز أن يمنعه من العفو متى زال سببه، وأن مقام النبوة يسع العفو الواسع.

العبرة

النبي ﷺ غضب لابنته ثم عفا عمن جاءه تائبًا، فجمع بين العدل والرحمة. والإسلام يهدم ما قبله، ولو كان الذنب كبيرًا وصاحبه مهدور الدم.

المصدر: سنن أبي داود: كتاب الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال؛ صحيح البخاري: كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله (حديث أبي هريرة)؛ فتح الباري لابن حجر؛ سيرة ابن إسحاق (هجرة زينب)؛ الطبقات لابن سعد؛ الاستيعاب لابن عبد البر.

الدرجة: قلادة خديجة وفداء أبي العاص رواه أبو داود وحسّنه أهل العلم؛ وأمر النبي ﷺ بقتل رجلين من قريش وعدم التحريق بالنار ثابت في صحيح البخاري، وتسميتهما بهبار ونافع من كلام ابن حجر نقلًا عن السير؛ واعتداء هبار على زينب مشهور في سيرة ابن إسحاق مع ضعف في خبر إسقاط الحمل؛ وقدومه مسلمًا وعفو النبي ﷺ عنه مروي في الطبقات والاستيعاب بأسانيد ضعيفة.