كان من تلاميذ سعيد بن المسيب في حلقته بالمسجد النبوي رجل يقال له أبو وداعة، يلازمه ولا يفارقه. فغاب أيامًا عن الحلقة، فلما عاد سأله سعيد: أين كنت؟ قال: توفيت زوجتي فاشتغلت بأمرها. قال سعيد: هلّا أخبرتنا فنشهدها معك؟ ثم أراد أبو وداعة أن ينصرف، فقال له سعيد: هل استحدثت امرأة؟ فقال: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال سعيد: أنا أزوجك. فقال: وتفعل؟ قال: نعم. ثم حمد الله وصلى على النبي ﷺ وعقد له على ابنته بدرهمين أو ثلاثة. فقام أبو وداعة وهو لا يدري ما يقول من شدة الفرح، وذهب إلى بيته. وتذكر الرواية أنه صام ذلك اليوم، فلما كان المغرب أفطر على خبز وزيت، ثم سمع طرقًا على الباب، فإذا هو سعيد بن المسيب. قال له سعيد: إنك كنت رجلًا عزبًا فتزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك. فإذا ابنته قائمة خلفه، فأخذها بيدها فأدخلها الدار ورد الباب. وقد وُصفت ابنته بأنها من أحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ وبحق الزوج. وهي القصة التي ذكرها أبو نعيم في الحلية وغيره، ويُروى أن سعيدًا كان قد ردّ بها خطبة ابن الخليفة من قبل. فكان هذا الزواج من أبسط الزيجات وأبركها. وتتمة الرواية كما في الحلية أن أم أبي وداعة قالت له حين أخبرها: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام. فمكث ثلاثًا ثم دخل بها، فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي من أحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ، وأعرفهم بحق الزوج. ثم مكث شهرًا لا يأتي سعيدًا ولا يأتيه سعيد، ثم أتاه وهو في حلقته فسلم عليه فرد عليه السلام ولم يكلمه حتى تقوّض المجلس، فلما لم يبق غيره قال له: ما حال ذلك الإنسان؟ قال: خير يا أبا محمد، على ما يحب الصديق ويكره العدو. قال: إن رابك شيء فالعصا. فانصرف إلى منزله فوجّه إليه سعيد بعشرين ألف درهم. وهذه الزيادات في الرواية، وإن لم تبلغ في ثبوتها ما بلغه أصل القصة، فقد ساقها أبو نعيم في الحلية.
‹ التابعون والعلماء والزهاد
التابعون والعلماء والزهادمشهور
سعيد بن المسيب وتلميذه أبو وداعة: زواج في ليلة واحدة
سعيد بن المسيب
هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.
العبرة
الكفء من يُرضى دينه وعلمه وخلقه، لا من يملك المال والجاه؛ وفي تيسير الزواج بركة عظيمة.
المصدر: حلية الأولياء لأبي نعيم (ترجمة سعيد بن المسيب)، وسنن الدارمي، وسير أعلام النبلاء
الدرجة: مشهور في كتب التراجم، وروي بأسانيد في الحلية والدارمي، وتختلف بعض الألفاظ في عدد الدراهم
