ألّف الإمام مالك بن أنس كتاب الموطأ في المدينة، وقال عن عمله فيه: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. وقال أيضًا إنه عرض كتابه على سبعين من فقهاء المدينة، فكلهم وافقه عليه، فسماه الموطأ. وحين حج الخليفة أبو جعفر المنصور، التقى بمالك وقال له: يا أبا عبد الله، ضع هذا العلم ودوّنه، وجنّب فيه شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك، ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم ألا يخالفوها ولا يقضوا بسواها. فقال مالك: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودانوا به، من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختاره أهل كل بلد منهم لأنفسهم. فرد عليه المنصور بقوله: لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به. وتذكر بعض الروايات أن هذا الطلب جاء أيضًا من الخليفة هارون الرشيد مع ما فيه من اختلاف الألفاظ. وقد بقيت للموطأ مكانته الخاصة وإن لم يُفرض على الناس. وكان مالك قد وُلد في المدينة سنة ثلاث وتسعين، وطلب العلم صغيرًا، وتروي كتب المناقب عنه أن أمه كانت تلبسه العمامة وتقول له: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وأخذ عن نافع مولى ابن عمر، وابن شهاب الزهري، وربيعة الرأي، وغيرهم من علماء المدينة. وقد أثنى الشافعي على الموطأ وقال: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك. وهذا قاله قبل أن يظهر صحيحا البخاري ومسلم. وقد ظل الموطأ مرجعًا للفقه والحديث، وأخذ عنه علماء من المشرق والمغرب، ومنهم يحيى بن يحيى الليثي من الأندلس.
‹ التابعون والعلماء والزهاد
التابعون والعلماء والزهادمشهور
مالك يرفض أن يحمل المنصور الناس على الموطأ
الإمام مالك بن أنس
هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.
العبرة
التواضع في العلم وقبول سعة الاجتهاد بين الأئمة من علامات الفقه الحقيقي، وعدم إكراه الناس على قول واحد في مسائل الاجتهاد.
المصدر: الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء لابن عبد البر، وترتيب المدارك للقاضي عياض، وسير أعلام النبلاء للذهبي
الدرجة: مشهور في كتب المناقب والتراجم، وتختلف الروايات بين المنصور والرشيد في صاحب الطلب
